كتبت صحيفة “الجمهورية”: الأجواء الإقليمية تبدو مزدحمة بعوامل التصعيد، فلا مسارات سياسية مفتوحة، والشرارات تتطاير فوق جبهات تسير على خط النار، ووتيرة التهديدات والاستعدادات العسكرية تشي بأنّ عود الثقاب يقترب سريعاً من الارتطام بلحظة الاشتعال والتفجير من جديد. والعين هنا على جبهة إيران، وما يرتبط بها من ساحات وجبهات، إلّا إذا حدث ما ليس في الحسبان، وخرج في اللحظة الحرجة من «قمقم الحرب» كابح يطفئ النار قبل اشتعالها، ويضع المسار السياسي على سكة التفاهمات أو التسويات أو الصفقات.
غرفة الإنعاش
كل التقديرات تتفق على أنّ القلق متمدّد على مساحة المنطقة، وأمّا لبنان الذي أُسقي الكأس المرّة في حروب لم يردها، أذاقته لوعة القتل الجماعي والدمار والخراب والتهجير والنسف والتجريف والإبادة العمرانية لعشرات القرى والبلدات، فيعاني وضعاً ما فوق القلق من تكرار الكارثة، وأكثر ما يقلق هو أنّ ليس هناك ما يضمن عدم تمدّد تأثيرات التصعيد إن حصل، أو عدم تكرار جريمة فتح الباب من الداخل عنوة عن كل اللبنانيّين، لتتسلل منه تلك التأثيرات المدمّرة لأغراض خارجية لا وطنية، كما حصل في الحربَين السابقتَين التي شنّتهما إسرائيل على لبنان.
تجمع التقديرات على دقّة المرحلة، وعلى ما يقول مصدر رسمي لـ«الجمهورية»، فإنّ «وضع المنطقة حرج، هذا هو المشهد، إلّا أنّ أحداً لا يستطيع أن يحدّد مساراتها، لكن بمعزل عن ذلك، فإنّ لبنان جزء من المنطقة، وما تتأثر به يتأثر به، على أنّ الأهم هو الجهد للنأي بلبنان عمّا قد يجري في المنطقة، أو بالحدّ الأدنى التقليل من آثاره وتداعياته إن نحت الأمور إلى الأسوأ، وهذا يشكّل أولوية ليس في هذه المرحلة فحسب، بل في كل وقت. فكفى لبنان ما أصابه، وهذا ما يؤكّد عليه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الذي يسعى جهده الحثيث، ويسخّر كل إمكاناته لإدخال لبنان إلى غرفة الإنعاش السياسي والأمني والاقتصادي والمعيشي وفي شتى المجالات، لإعادة بناء الدولة القادرة، واستعادة قرارها وسيادتها كاملة، ووقف عذابات الناس وتحصين الأمن الاجتماعي لكل اللبنانيّين».
عون: لا للتسييس
ممّا لا شك فيه، أنّ الملفات الداخلية بأبعادها الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية، توجب على الحكومة مقاربتها بالعلاجات المطلوبة العاجلة والملحّة، ولاسيما في الملفات الخدماتية، من دون أي تأخير أو مماطلة، وعدم الإكتفاء بالتنظير أو اختلاق ذرائع وتعقيدات، أو بالهروب إلى الأمام والتنصُّل من المسؤولية بتغطية القصور بالمعالجة بافتعال أزمات داخل الحكومة، والحديث عن بنية حكومية باتت رخوة ينبغي تعديلها وتنشيطها بوجوه وزارية جديدة، بدل وزراء قيل عنهم إنّهم مقصّرون أو وزراء وصفوا بالفاشلين أو وزراء غير مرضي عنهم أو وزراء خيّبوا أمل مرجعياتهم، ولم يكونوا على قدر المسؤولية التي أُلقيت عليهم.
الوضع الحكومي إن كان مهتزاً بالفعل كما يُقال، فهو يستدعي المعالجة العاجلة، لكن هذا لا يبرر إغفال الملفات التي تعني الناس بكل فئاتهم، ولاسيما أنّ التقاعس بدأ يحمّس الحراكات المطلبية والنقابية بالإضافة إلى موظفي الإدارة العامة. إلّا أنّ ما يثير الريبة والقلق هو ما يتردّد عن محاولات حزبية للاستثمار على هذه الحراكات، وهو ما أشار إليه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون صراحة أمام زواره في القصر الجمهوري في بعبدا أمس، مؤكّداً «أنّ الأحزاب مصدر غنى في الحياة السياسية، لكن لا يجب أن تكون عائقاً أمام سلطة الدولة».
وإذ لفت إلى «الفرص الكبيرة المتوافرة، والتي تنتظر بعض التقدُّم على صعيد الوضع الاقتصادي الذي تأثر بالتطوُّرات التي تشهدها المنطقة ودول الخليج، والتي انعكست على الكثير من المجالات وفي مقدّمها مجال النفط، وهو أمر خارج عن قدرة لبنان على معالجته»، أضاف: «هناك محاولات لتسييس الوضع الاقتصادي وتضخيمه لأهداف سياسية، وكلام عن ارتفاع في سعر صرف الدولار، وأزمات مماثلة لما حصل العام 2019، كل ذلك بهدف خلق البلبلة وتهميش محاولات النهوض بلبنان، وهو ما لا يمكن السماح به».
ودعا الرئيس عون إلى «التعاون في مواجهة الأزمات الاقتصادية، التي يعاني منها العالم أجمع»، لافتاً إلى «الإجراءات التي يقوم بها المصرف المركزي اللبناني ووزارة المال، للحفاظ على الاستقرار النقدي»، وأكّد أنّه «لا يمكن محو عقود من الفساد وسوء الإدارة خلال فترة زمنية قصيرة، لكنّ العمل جار على مكافحة الفساد، والانتقال إلى الحكومة الرقمية، وتحسين وضع الإدارات والمؤسسات الرسمية، وهو مسار لن يتوقف».
ضخ وتهويل
وفي موازاة ذلك، يتواصل الضخ الإعلامي حول تطوُّرات تصعيدية على جبهة لبنان، إذ تصدَّر الواجهة أمس، تقرير نشرته محطة «إرم نيوز»، نقلت فيه عن مصادر ديبلوماسية أوروبية ما يفيد بأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدرس شن عملية عسكرية واسعة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، لاستغلالها كورقة انتخابية تعيد ترميم شعبيته وتغطي على الإخفاق الأمني في أحداث 7 أكتوبر 2023.
ووفق المصادر عينها «فإنّه في ظل قيود فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تمنع تنفيذ ضربات ضدّ إيران قد تجرّ واشنطن لمواجهة غير مرغوبة، فإنّ فتح جبهة لبنان يتصدّر خيارات نتنياهو لحشد أصوات الناخبين، لا سيما في مستوطنات وقرى الشمال، ليضمن بذلك التكتل الذي يتيح له تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة».
ولحظ التقرير، أنّ هذه التحرُّكات تتزامن مع الذكرى الثالثة لأحداث «7 أكتوبر»، وقبل أسابيع قليلة من انتخابات الكنيست، التي يواجه فيها نتنياهو أزمة استطلاعات حادة، مع تراجع حصة حزب «الليكود» لصالح منافسيه، مشيراً إلى أنّ «نتنياهو يحاول تقديم نفسه على أنّه الوحيد القادر على حماية إسرائيل أمنياً أمام إيران و«حزب الله» و«حماس» من جهة، ومن جهة أخرى، يبحث عن منفذ أمني يحمل تهديداً، يبقى على أساسه».
هل تُعقد المفاوضات؟
من جهة ثانية، لا تأكيد حتى الآن لانعقاد جولة المفاوضات التي تردّد أنّها ستعقد بين الجانبَين اللبناني والإسرائيلي في الولايات المتحدة أواخر الشهر الجاري.
وعشية الموعد المفترض في العشرين من الشهر الجاري، برز تقدير قلق أطلقه ديبلوماسي أممي رفيع في حديث مع «الجمهورية»، يفيد بـ«أنّ الوضع في جنوب لبنان لم يخرج بعد من دائرة الخطر. وكان يمكن لهذا الوضع أن يدخل في نطاق السيطرة وفي حال من الأمن والاستقرار، لو أنّ مندرجات صيغة الإطار بين لبنان وإسرائيل قد طبِّقت وفق ما هو متفاهم عليه بين الجانبَين».
وأضاف: «نعلم أنّ لبنان يبذل جهداً كبيراً لتحقيق هذا الهدف، ونقدِّر التزامه بصيغة الإطار وبمسار المفاوضات، لكنّ الأمور سارت في اتجاه معاكس. ولنكن صريحين في هذا الجانب، فإسرائيل لم تقدِّم للبنان ما يمكن أن يدفع مسار التفاوض إلى الأمام، ولبنان يقول إنّها أخرجت صيغة الإطار عن مسارها التنفيذي، وهذا بالتأكيد يصبّ في خانة الفشل».
ورداً على سؤال أكّد أنّه «لا يستطيع أن يجزم إمكان تحقيق خرق نوعي في هذا المسار، يطمئن لبنان بالدرجة الأولى. ففي النقاشات مع المسؤولين في لبنان، تظهر لديهم كمية كبيرة من الإحباط ممّا يعتبرونه الفشل، وسلسلة طويلة من الشواهد التي تؤكّد أنّ المفاوضات لا تشكّل أولوية بالنسبة إلى إسرائيل، وأقول بصراحة هنا أننا نتفهّم هذا الإحباط».
وأمّا في إسرائيل، يضيف الديبلوماسي الأممي «يقولون بصورة صريحة إنّهم يريدون للمفاوضات أن تصل إلى تثبيت ترتيبات أمنية في منطقة جنوب لبنان، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بحرية فرض وقائع ميدانية تراها إسرائيل ضرورية لأمنها. وفي رأيي، أنّ هذا الأمر يصعِّب تحقيق الإيجابيات التي يرجوها لبنان. وأكشف في هذا الإطار، أنّ مسؤولاً لبنانياً رفيعاً أبلغني مباشرةً بأنّ إسرائيل أخذت من صيغة الإطار ما تريده ولم تقدِّم للبنان شيئاً، وأنّ ذلك يبعث على القلق البالغ من محاولات إسرائيلية لخلق وقائع جديدة في منطقة جنوب الليطاني، خارج سياق صيغة الإطار، تمهّد له بسحق القرى وتكثيف العمليات العدائية التي لم تتوقف منذ الإعلان عن صيغة الإطار في حزيران الفائت».
واشنطن: الحزب مسؤول
وفي سياق متصل، نُقِل عن مسؤول أميركي قوله إنّ «حزب الله» هو المسؤول عن خلق هذا الواقع الخطير والمحزن في جنوب لبنان، وإنّ ما قام به على مدى السنوات الأخيرة من عمليات عدائية، أعطى لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وحماية سكان الشمال من اعتداءاته، وحتى الآن لا يزال يشكّل تهديداً لإسرائيل وللداخل اللبناني في آن معاً».
من هنا، يضيف المسؤول عينه، فإنّ مقاربة ادارة الرئيس دونالد ترامب للواقع في لبنان أوسع من مجرّد وقف إطلاق النار أو تثبيت ترتيبات أمنية على الحدود الجنوبية مع إسرائيل، تتدرّج من أولوية إنجاح صيغة الإطار، وصولاً إلى ترسيخ واقع تصبح فيه الدولة اللبنانية هي صاحبة المسؤولية الكاملة عن أراضيها وسلاحها وقرارها الأمني والسياسي».
وخلص المسؤول الأميركي إلى «أنّ واشنطن رعت الوصول إلى الاتفاق، بوصفه مساراً يؤدّي إلى السلام في نهاية الأمر، وما زالت تشجّع الحكومة اللبنانية على الاستجابة إلى المطالب التي تدعو إلى إعداد خطة لنزع سلاح «حزب الله» على كامل الأراضي اللبنانية وفق الإطار الثلاثي».
200 مليون للحزب
في سياق متصل، أفاد مصدران مطلعان لوكالة «رويترز»، أنّ «حزب الله« تلقّى «200 مليون دولار من طهران لمساعدة اللبنانيّين النازحين جراء الحرب مع إسرائيل هذا العام، وذلك في أول مساعدة كبيرة يقدّمها الحزب لأنصاره الذين تحمّلوا وطأة الصراع».
وذكر المصدران «أنّ «حزب الله» تلقّى المبلغ الشهر الماضي، على رغم من تشديد الولايات المتحدة قبضتها الاقتصادية على إيران، وتزايد صعوبة إيصال الأموال إلى حليف طهران اللبناني». وأفاد مصدر لـ«رويترز»، بأنّ «الأموال الإيرانية المخصَّصة لـ«حزب الله» تُرسل عبر وسطاء يتقاضون أربعة أمثال الرسوم المعتادة بسبب ارتفاع المخاطر».
رد اميركي
نفت وزارة الخارجية الأميركية ما ورد في تقارير عن تدفق أموال من إيران إلى «حزب الله»، معتبرةً أنّ الحزب يروّج لهذه الروايات عبر مصادر مجهولة، في محاولة لحفظ ماء الوجه بعد الضربات التي تعرّض لها. وقالت الخارجية الأميركية، في تعليق على ما أوردته وكالة «رويترز»، إنّ «لدى «حزب الله» كل الأسباب لترويج مثل هذه الروايات عبر مصادر مجهولة. يمكنه أن يدّعي ما يشاء، لكنّ الأموال غير موجودة».
وأشارت إلى أنّ الحزب «تعرّض لضربات قاسية وتسبَّب بمعاناة مئات الآلاف من اللبنانيّين الأبرياء»، معتبِرةً أنّه يحاول حالياً «حفظ ماء الوجه عبر روايات زائفة عن تدفّق أموال إليه من إيران». وأضافت أنّ «حزب الله لم يجلب للبنان وللناس الذين يدّعي تمثيلهم سوى المعاناة»، معتبرةً أنه «بدأ حرباً نيابة عن طهران، ما أدّى إلى أضرار بمليارات الدولارات».
سلام
على صعيد سياسي آخر، وخلال افتتاح معرض «بين سطور الدستور»، أكّد رئيس الحكومة نواف سلام «أنّ لا معنى لسيادة الشعب إذا تعدَّدت مصادر السلطة خارج المؤسسات التي تمثله، ولا معنى لدولة القانون إذا لم يسرِ القانون على الجميع، ولا تكتمل سيادة الدولة إذا كانت قرارات سيادية مثل قرارات الحرب والسلم والأمن الوطني تُتخذ خارج مؤسساتها الدستورية».
وسأل سلام: «هل طبّقنا الطائف فعلاً، أم أننا طبّقنا منه ما أعاد توزيع السلطة، وأجّلنا ما كان يفترض أن يطوِّر الدولة». وأضاف: «إذا كنا فعلاً متمسكين بالطائف، فعلينا أولاً أن نطبّقه بكامل بنوده، وسدّ الثغرات التي كشفتها الممارسة خلال العقود الماضية، وأن نطوّر دستورنا، عند الحاجة، وفق قواعده لا بتجاوزه».



































