ندوة أدبية تحتفي بالذاكرة الروحية المشتركة وتستكشف آفاق الحوار الثقافي التونسي الإيراني
ليس الشعر مجرّد كلمات تُصاغ بإيقاع جميل، ولا الفكر تأمّلاتٍ معزولة عن حياة الشعوب؛ فكلاهما ذاكرةٌ تحفظ التجارب الإنسانية، وجسرٌ تعبر من خلاله الحضارات لتكتشف ما يجمعها من قيم وأسئلة وتطلّعات. ومن هذا الأفق، تندرج الندوة الأدبية باشراف سعادة المستشار الثقافي لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في تونس الدكتور جعفر مرواريد المخصّصة للشعر والفكر والحضارة، بمناسبة اليوم الوطني لحافظ الشيرازي ومولانا جلال الدين الرومي، في سياق الاحتفاء بالروابط الثقافية بين تونس وإيران، واستحضار اثنين من أبرز أعلام الشعر الفارسي والتصوّف الإسلامي.
حيث تميزت بتنوّع المداخلات وتعدّد المقاربات،و ابرزت ملامح رحلة فكرية وجمالية تتقاطع فيها اللغة مع الفلسفة، والشعر مع التجربة الروحية، والتاريخ مع الذاكرة الحضارية، لتؤكّد أنّ الإبداع الإنساني قادر على تجاوز الحدود الجغرافية والاختلافات اللغوية.
الشعر والفكر وفلسفة الحياة: حافظ الشيرازي ومولانا جلال الدين الرومي في حوار حضاري بين إيران وتونس
يكتسب هذا المحور أبعادا عميقة من كونه يضع الشعر في صميم التجربة الإنسانية، لا بوصفه تعبيرًا جماليًا فحسب، بل باعتباره وسيلة للتأمّل في الوجود، والبحث عن المعنى، واستكشاف علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. فحافظ الشيرازي، بما تنطوي عليه أشعاره من كثافة رمزية وتعدّد دلالي، يفتح أمام القارئ آفاقًا للتفكير في الحب والجمال والحرية والتوق إلى الحقيقة؛ أمّا مولانا جلال الدين الرومي، فيجعل من الشعر مسارًا روحيًا يتدرّج فيه الإنسان من ظاهر الأشياء إلى أعماقها، ومن حدود الذات إلى أفق المحبة الإنسانية. وهذا ما ابرزته مداخلة سعادة المستشار الدكتور جعفر مرواريد.
وعلى اختلاف التجربتين الشعريتين، يلتقي الشاعران في قدرة الكلمة على استثارة الأسئلة الكبرى، وفي تحويل التجربة الفردية إلى معنى إنساني قابل للعبور بين الثقافات. ومن هنا، يصبح استحضارهما في فضاء تونسي إيراني مناسبة لتجديد النظر في المشترك الحضاري، بعيدًا عن الاكتفاء بالاحتفاء بالماضي، ونحو بناء معرفة متبادلة تستلهم التراث وتعيد قراءته في ضوء الحاضر.
القيروان في أشعار الإيرانيين
وفي امتداد لهذا الحوار، جاءت مداخلة سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتونس، السيد مير مسعود حسينيان، لتسلّط الضوء على المكان بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل المخيال الشعري والذاكرة الثقافية.
فالقيروان ليست مجرّد مدينة تونسية ذات مكانة تاريخية ودينية، بل هي أيضًا رمز حضاري تتقاطع فيه دلالات العلم والروحانية والعمارة والذاكرة. وحين يحضر المكان في الشعر، فإنه يتجاوز حدوده الجغرافية ليصبح صورةً ذهنية ووجدانية،
ويتيح هذا المحور التفكير في الكيفية التي تستقبل بها الثقافة الفارسية أمكنةً من خارج مجالها الجغرافي، فتمنحها حضورًا في التعبير الشعري، وتعيد بناءها ضمن رؤيتها الجمالية والروحية
إنّ حضور القيروان في أشعار الإيرانيين، وفق ما يطرحه عنوان المداخلة، يوجّه الاهتمام إلى قدرة الشعر على صناعة فضاءات مشتركة، وإلى أنّ المدن قد تصبح، عبر الأدب، جزءًا من ذاكرة شعوب لم تجمعها الجغرافيا بقدر ما جمعها التفاعل الثقافي
منزلة جلال الدين الرومي في التصوّف الإسلامي
تجلت مداخلة الدكتور توفيق بن عامر في استكشاف التجربة الروحية لمولانا جلال الدين الرومي اذ يُعدّ أحد أبرز الأسماء التي اقترنت بتحويل التجربة الصوفية إلى خطاب شعري وفكري واسع التأثير.
فقد تجاوزت كتاباته حدود التعبير عن الأحوال الروحية الفردية، لتقدّم تصوّرًا للإنسان باعتباره كائنًا يسعى إلى معرفة ذاته، وتحريرها من ضيق الأنا، والانفتاح على المحبة بوصفها أفقًا للارتقاء الروحي والأخلاقي.
ولا تنحصر أهمية مولانا جلال الدين الرومي في اشعاره أو في امتداد أثره عبر العصور، بل تكمن أيضًا في قدرته على التعبير عن أسئلة إنسانية عميقة بلغة تجمع بين الرمز والحكاية والمفارقة والتأمّل. فالحركة في تجربته ليست انتقالًا مكانيًا فحسب، وإنما هي تحوّل في الوعي؛ والمحبة ليست عاطفة عابرة، بل مبدأ يعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبالآخر وبالعالم.
ومن هذا المنظور، تتيح دراسة منزلة الرومي في التصوّف الإسلامي النظر في العلاقة بين التجربة الروحية والتعبير الأدبي، وفي الكيفية التي أسهم بها الشعر في نقل الأفكار الصوفية وتوسيع دائرة تلقيها. كما تبرز أهمية قراءة هذا التراث ضمن سياقه الفكري والتاريخي، مع الانفتاح على ما يتيحه من إمكانات للتأمل في قضايا الإنسان المعاصر.
نظرية الحب عند جلال الدين الرومي: من التجربة الروحية إلى الرؤية الكونية
وفي سياق تعميق النظر في الفكر الصوفي، تناولت مداخلة الدكتور محمد سوري، الأستاذ الجامعي المختص في التصوّف و العرفان الإسلامي بايران، نظرية الحب عند جلال الدين الرومي وآراء مبارك شاه المرودوي، في دراسة تستحضر البعد الفكري والروحي لهذا المفهوم.
ويحتلّ الحب مكانة محورية في تجربة الرومي؛ فهو ليس مجرّد موضوع شعري، بل قوّة دافعة إلى المعرفة والتحوّل، ووسيلة لتجاوز الانغلاق على الذات. ومن خلال هذه الرؤية، يكتسب الحب دلالة تتجاوز الانفعال الشخصي لتصبح مبدأً لفهم الوجود، وطريقًا إلى إدراك ما وراء المظاهر، ومناسبة لإعادة التفكير في الصلة بين الإنسان والحقيقة.
وتتجلّى ثراء هذه التجربة في أنّ الرومي لا يقدّم الحب في صيغة تعريفات فلسفية مجرّدة فحسب، بل يجسّده في صور واستعارات وحكايات تجعل المعنى قابلًا للتجربة والتأويل. فالشعر هنا ليس وعاءً للفكرة، بل جزء من آلية تشكّلها وإيصالها؛ إذ تتداخل اللغة مع الوجدان، ويتحوّل الرمز إلى أداة لاستكشاف ما يصعب التعبير عنه بالمفاهيم المباشرة.
ويمنح إدراج آراء مبارك شاه المرودوي ضمن هذا المحور إمكانًا لقراءة مفهوم الحب في أفق مقارن، بما يسمح باستكشاف وجوه التقاطع والاختلاف في مقاربات التجربة الصوفية.
المحبة الصوفية في أشعار حافظ الشيرازي
ومن عالم مولانا جلال الدين الرومي، تتواصل الرحلة إلى تجربة حافظ الشيرازي، من خلال مداخلة الدكتور محمد عزيز بن زكّور، الأستاذ والباحث المختص في الحضارة العربية والإسلامية،حيث ابرز ان للحب في شعر حافظ منزلة تتجاوز حدود الغزل المألوف، إذ يتشابك فيه الجمالي بالروحي، والإنساني بالرمزي، والوجداني بأسئلة الحقيقة.
وتتميّز لغته الشعرية بقدرتها على بناء عوالم متعددة الدلالة، تتجاور فيها صور المحبوب والخمر والحديقة والنور، وتتداخل فيها التجربة العاطفية مع التأمّل في الوجود والمصير.
غير أنّ خصوصية حافظ تكمن أيضًا في مقاومة المعنى الواحد المغلق؛ فقصيدته تسمح بقراءات متعدّدة، وتترك للقارئ مساحة للتأويل، بما يجعلها حيّة ومتجدّدة عبر الأزمنة والثقافات. ومن هنا، فإنّ تناول المحبة الصوفية في شعره يقتضي الانتباه إلى ثراء الرموز، وإلى التوتر الخلّاق بين ظاهر العبارة وما قد تنطوي عليه من أبعاد روحية وفلسفية.
وتكشف المقارنة بين حافظ والرومي عن مسارين شعريين يتقاطعان في مركزية الحب، مع احتفاظ كل تجربة بخصوصيتها التعبيرية والفكرية. ففي حين تتبدّى المحبة عند الرومي بوصفها حركة تحوّل روحي متواصلة، تتجلّى لدى حافظ في نسيج شعري كثيف تتجاور فيه الرغبة والجمال والبحث عن الحقيقة، وتظلّ دلالاته مفتوحة على تعدّد التأويلات.
وبذلك، لا يعود الاحتفاء بالشاعرين مجرّد استعادة لاسمين كبيرين في تاريخ الأدب الفارسي، بل يصبح فرصة لفهم تنوّع التجربة الصوفية وثراء تعبيراتها، ولإدراك كيف استطاعت القصيدة أن تمنح الأسئلة الروحية حياةً تتجاوز زمن كتابتها.
و اختتمت الندوة بعرض موسيقي و قراءة تجليات شعرية لحافظ الشيرازي
ومن خلال ما تم تقديمه تجاوزت الندوة حدود الاحتفاء بشاعرين كبيرين لتفتح أفقًا أرحب للتفكير في وظيفة الثقافة في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى التواصل والتفاهم. فالشعر الذي صاغه حافظ الشيرازي، والتجربة الروحية التي عبّر عنها مولانا جلال الدين الرومي، لا ينتميان إلى الماضي وحده؛ إنهما يواصلان مخاطبة الإنسان، كلّما وجد في القصيدة نافذةً على ذاته، وفي التراث فرصةً لتجديد المعرفة، وفي الحوار سبيلًا إلى الاقتراب من الآخر.







































