Les actualités les plus importantes et les plus récentes du monde en français

كربلاء… حين تتحول الذاكرة إلى مشروع للعدالة الإنسانية

ندوة فكرية بالمستشارية الثقافية الإيرانية بتونس تستحضر كربلاء في أفق الوعي الحضاري

في إطار تفعيل سلسلة الحوارات الثقافية والحضارية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية التونسية، واحتفاءً بالقيم الإنسانية والعدالة الاجتماعية، نظمت المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بتونس ندوة فكرية بعنوان “كربلاء: الذاكرة والعدالة في الوعي الإنساني..  تزامناً مع تقديم كتاب “الحسين (ع): كربلاء.. استشهاد سبط النبي (ص)” للكاتب التونسي هشام قاسم.

 

باشراف سعادة  المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية بتونس” الدكتور جعفر ميرواريد”،و بحضور سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في تونس “مير مسعود حسينيان” 

والكاتب هشام قاسم، كما أثث الفعالية سعادة المستشار الثقافي للجمهورية العراقية بتونس عبد الرحمان الوائلي من خلال تجليات شعرية استحضرت الإمام الحسين(ع) والسيدة زينب(ع)

إلى جانب مشاركة الكاتبة والشاعرة منى بعزاوي التي قدمت ابيات شعرية جسدت الأبعاد الإنسانية والوجدانية لواقعة كربلاء.

فضلا عن مداخلات من تونس وايران و بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين.

 

كربلاء… ذاكرة تتجاوز حدود التاريخ

 

لم تطرح الندوة كربلاء باعتبارها حدثاً تاريخياً يُستعاد في المناسبات، وإنما بوصفها ذاكرة إنسانية متجددة، تختزن معاني الثبات على الحق والإيمان بالمبدأ والدفاع عن العدالة في مواجهة الظلم. فالحديث عن الإمام الحسين(ع) لم يكن استحضاراً لشخصية من الماضي، بل استدعاءً لقيم لا تزال قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر، وجعل كربلاء رمزاً أخلاقياً يتجاوز حدود الزمان والجغرافيا والانتماءات المذهبية.

 

نضرية الكتاب قبل تحليل الواقعة

 

ركزت الندوة على القيمة الفكرية للكتاب المقدم، باعتباره لا يروي تفاصيل واقعة كربلاء أو يسرد أحداثها التاريخية فحسب، بل يقدم قراءة حضارية تبحث في الكيفية التي تحولت بها كربلاء إلى قضية إنسانية عالمية، وأصبحت جزءاً من الضمير الجمعي للشعوب.

 

ويكتسب الكتاب أهميته أيضاً من كونه صدر في بيئة ثقافية عربية، مقدماً قراءة حضارية لا مذهبية، تضع الإمام الحسين (ع) في إطار القيم الكونية الكبرى؛ كالعدالة، والحرية، ومقاومة الاستبداد، بما يجعل حضوره امتداداً للماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد.

 

من معركة إلى رمز إنساني خالد

 

وأكدت المداخلات أن كربلاء لم تعد تُقرأ باعتبارها معركة عسكرية انتهت بانتهاء أحداثها، بل باعتبارها لحظة كشفت الصراع الدائم بين القوة والحق، وبين السلطة والعدالة، لتتحول إلى رمز عالمي لمقاومة الظلم والانتصار للقيم الإنسانية.

 

فالذاكرة الإنسانية احتفظت بعاشوراء لأنها مثلت انتصاراً للمبدأ على القوة، ورسخت أن الدين في جوهره أقوى من السلطة، وأن نهج الإمام الحسين (ع) هو نهج الإصلاح والكرامة والحرية، وهو ما جعل من كربلاء مدرسة متواصلة في بناء الوعي الأخلاقي.

 

من الحدث إلى الوعي الحضاري

 

وانتقلت الفعالية من قراءة الحدث التاريخي إلى قراءة أثره في الفكر الإنساني المعاصر، حيث طُرحت كربلاء باعتبارها إحدى المحطات المؤسسة للفكر الإصلاحي، الذي ينطلق من القيم قبل الوقائع، ومن الإنسان قبل السياسة.

 

كما جرى التأكيد على أن الحضارة الإسلامية لم تُبن بالسيف والدم، وإنما تأسست على منظومة أخلاقية وإنسانية جسدها الإمام الحسين(ع) بأسمى صورها، وهو ما يجعل استحضار كربلاء اليوم دعوة إلى إعادة الاعتبار لقيم العدالة والإصلاح والكرامة الإنسانية.

 

من كربلاء إلى غزة… وحدة الرمز الأخلاقي

 

ومن بين أبرز المحاور التي تناولتها الندوة، الربط بين كربلاء والقضايا الإنسانية المعاصرة، وفي مقدمتها ما يجري في غزة، من خلال استحضار البعد الأخلاقي للواقعتين، باعتبار أن مواجهة الظلم والانتصار للمظلومين يمثلان قيماً إنسانية تتجاوز اختلاف الأزمنة والوقائع.

 

كما توقف النقاش عند السؤال الذي ظل يرافق الوعي الإسلامي عبر التاريخ: كيف استطاع أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتلوا سبطه الإمام الحسين؟ وهو سؤال لم يُطرح بوصفه استفساراً تاريخياً، بل اعتبره الكاتب مدخلاً لفهم آليات الظلم حين يفقد الإنسان بوصلته الأخلاقية، ويصبح التاريخ مرآة لقراءة تحديات الحاضر.

 

الشعر… حين يتكلم الوجدان

 

ولم تقتصر الأمسية على الطرح الفكري، بل امتزجت الكلمة بالفن، حيث أضفت القصائد الشعرية بعداً وجدانياً على الفعالية، مستحضرةً مآثر الإمام الحسين والسيدة زينب، ومجسدةً بالصورة الشعرية قيم الصبر والتضحية والوفاء للمبادئ، في تأكيد على أن الأدب يظل أحد أهم روافد حفظ الذاكرة الإنسانية ونقل رسالتها عبر الأجيال.

 

حوار ثقافي يعبر نحو رؤى استشرافية

 

عكست هذه الندوة رؤية ثقافية تجعل من استحضار كربلاء مناسبة لإحياء قيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، بعيداً عن القراءة التاريخية المجردة، لتتحول الواقعة إلى مشروع حضاري مفتوح على المستقبل، يؤكد أن الذاكرة ليست سجلاً للماضي، بل رافعة لبناء وعي إنساني قادر على مواجهة الظلم وترسيخ ثقافة الحوار والإصلاح.