Les actualités les plus importantes et les plus récentes du monde en français

روبير الأبيض: متى نبني الدولة بدلًا من بناء الانقسامات؟

رأى رئيس “المجلس الأرثوذكسي اللبناني” روبير الأبيض أن “لبنان يعيش اليوم أزمة سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية خانقة، والسؤال الذي يفرض نفسه على اللبنانيين جميعاً هو: إلى أين نحن ذاهبون؟ ومن يملك الجرأة على كسر هذه الدوامة؟ إن ما نشهده اليوم ليس أزمة طارئة أو وليدة السنوات الأخيرة، بل هو نتيجة تراكم تاريخي طويل بدأ منذ تأسيس دولة لبنان الكبير، واستمر مع قيام الجمهورية اللبنانية، حيث فشلنا، على مدى عقود، في معالجة الأسباب الحقيقية التي أنتجت الانقسامات الداخلية وأبقت الدولة في حالة من عدم الاستقرار، فإذا أردنا أن نفهم لبنان اليوم، علينا أن نعود إلى بداياته، لا لكي نعيد فتح جراح الماضي، بل لكي نفهم لماذا لم نستطع حتى الآن بناء دولة يشعر فيها جميع اللبنانيين بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الدولة هي مرجعيتهم الأولى والأخيرة”.

اضاف :” منذ التأسيس دولة تتقدم خطوة وتتراجع خطوات مع إنشاء دولة لبنان الكبير، ثم قيام الجمهورية، بقيت المسألة اللبنانية تدور حول كيفية إدارة التعدد الطائفي والسياسي، بدلاً من الانتقال تدريجياً إلى بناء دولة المؤسسات والمواطنة. تعاقبت رؤساء الجمهورية والحكومات والمجالس النيابية، وتبدلت العهود والتوازنات، لكن المشكلة الأساسية بقيت قائمة: كيف نبني دولة تتجاوز منطق الطوائف والزعامات والمصالح الخاصة؟  بدلاً من أن تكون الطوائف مكونات وطنية متعاونة داخل دولة واحدة، تحولت السياسة في مراحل كثيرة إلى صراع على النفوذ والحصص والتوازنات، وأصبح السؤال في كثير من الأحيان: من يملك القرار؟ ومن يملك الحصة الأكبر؟ ومن يضمن موقع طائفته؟

تابع: “لقد بنينا زعامات سياسية، وبنينا نفوذاً طائفياً، وتنافسنا على مواقع الدولة وثرواتها ومؤسساتها، لكننا لم ننجح بالقدر المطلوب في بناء مؤسسات قوية ومستقلة يشعر المواطن بأنها فوق الاصطفافات، ومن هنا بدأت أزمة الثقة بين المواطن والدولة، وهي أزمة لم تستطع الحكومات المتعاقبة، منذ الاستقلال، أن تنهيها. كل مرحلة كانت تبحث عن تسوية ولم نعالج أصل المشكلة، إن تاريخ لبنان السياسي شهد سلسلة من المواثيق والتفاهمات والتسويات الداخلية، وغالباً ما جاءت هذه التسويات بعد أزمات أو صراعات، لكنها لم تتمكن من إنهاء الأسباب العميقة للانقسام، انتقلنا من الميثاق الوطني إلى مراحل من التوتر والصراع، ثم إلى الحرب الأهلية وما رافقها من اصطفافات داخلية وتدخلات عربية ودولية، وصولاً إلى اتفاق الطائف وما تلاه من مراحل سياسية، وخلال هذه المسيرة، دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً من دمائهم وأمنهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم”.

وقال: “شهد لبنان خلال الحرب الأهلية واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخه، وسقط اكثر من ٢٠٠ الف من اللبنانيين، بينما تحولت الانقسامات السياسية والطائفية إلى صراع مفتوح، وتداخلت العوامل الداخلية مع التدخلات الخارجية. والسؤال الذي لم يجب عنه أحد حتى اليوم: من استفاد من انقسام اللبنانيين؟ في كل مرة كان لبنان ينقسم، كانت الاصطفافات تأخذ شكلاً جديداً: مسلم في مواجهة مسيحي، شرقية في مواجهة غربية، ثم تحالفات وصراعات بين مكونات وطوائف مختلفة، ومن اتفاق إلى آخر، ومن تسوية إلى أخرى، بقي اللبناني ينتظر الدولة التي تحميه وتؤمن له الاستقرار، فيما بقيت الدولة نفسها أسيرة التجاذبات، حتى الاتفاقات التي جاءت لإنهاء الأزمات لم تكن دائماً قادرة على معالجة أصل المشكلة، لأننا كنا نعالج نتائج الانقسام أكثر مما نعالج أسبابه”.

أضاف: “من الطائف 1991 إلى 2006… ثم إلى حروب المحاور، لم يتعلم اللبنانيون بما يكفي من تجاربهم السابقة، وبقيوا عرضة لتأثير الصراعات الإقليمية والدولية ثم جاءت حرب 2006، وعاد لبنان مرة أخرى إلى دائرة الصراع، وكانت النتيجة أن دفع الشعب اللبناني الثمن، وتعرض البلد للدمار والخسائر، فيما بقي القرار الوطني موضع تجاذب داخلي.  ثم دخلنا في مراحل جديدة من الصراعات الإقليمية، وصولاً إلى ما يُعرف بحروب الإسناد، مرة مع الفلسطينيين ومرة مع الإيرانيين حيث أصبح لبنان مرة أخرى جزءاً من صراعات تتجاوز حدوده، ألم نتعلم بعد أن أي طائفة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تبني لبنان وحدها؟ وألم نتعلم أن الاستقواء بالخارج لا يصنع دولة، بل يضاعف الانقسام؟ لا طائفة تستطيع أن تلغي طائفة أخرى، ولا فريق يستطيع أن يحكم لبنان بمعزل عن بقية اللبنانيين. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نتعلمها من تاريخنا كله، أخطر ما في التجربة اللبنانية أننا نعيد إنتاج المشكلة نفسها بأسماء وأشكال مختلفة”.

واعتبر أنه ” كلما شعر فريق بالقوة، خاف منه الآخرون. وكلما خاف فريق، بحث عن قوة تحميه عبر الطوائف الاقليمية وكلما دخل الخارج على خط الأزمة، ازداد الداخل انقساماً. وهكذا ندور في الحلقة نفسها. الطائفية تنتج الخوف، والخوف ينتج الاصطفاف، والاصطفاف يفتح الباب للتدخل الخارجي، والتدخل الخارجي يعيد إنتاج الطائفية. وهنا تكمن المشكلة التي يجب أن نواجهها بصراحة، فأن المرحلة الراهنة، رغم كل الصعوبات، قد تكون فرصة للخروج من هذه الدائرة إذا امتلك اللبنانيون الإرادة السياسية والوطنية لذلك بعد انتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وجدنا أملاً لدى شريحة من اللبنانيين، خصوصاً مع خطاب القسم الذي يمكن أن يشكل خريطة طريق نحو إعادة بناء الدولة وتحصين الوحدة الوطنية الخلاص لا يكون بتسوية جديدة موقتة بين القوى السياسية، بل بحوار لبناني جدي وصريح يبحث في أصل المشكلة، ويضع مصلحة لبنان واللبنانيين فوق الحسابات الطائفية والحزبية والخارجية،  نحن بحاجة إلى تفاهم وطني حول نظام سياسي يخرج لبنان تدريجياً من دوامة الطائفية السياسية وامتداداتها الخارجية، ويعيد الاعتبار إلى مفهوم المواطنة والمؤسسات”.

تابع:” الثقة بين المواطن والدولة هي نقطة البداية وأي إصلاح سياسي سيبقى ناقصاً إذا لم يستعد المواطن ثقته بالدولة”. وتوجه مباشرة إلى رئيس مجلس الوزراء نواف سلام قائلاً :” إن الحكومة مطالبة باتخاذ خطوة غير تقليدية لاستعادة هذه الثقة: الذهاب مباشرة إلى المواطن،  على كل وزير أن يقف أمام اللبنانيين ويشرح لهم خطة عمل وزارته، وما الذي يريد تحقيقه، وكيف سيعالج المشكلات الموجودة، وأن يستمع في المقابل إلى الناس وهواجسهم واقترح أن تُنظم لقاءات مباشرة مع المواطنين داخل السرايا الحكومية، بحيث يتعاقب الوزراء على لقاء اللبنانيين والاستماع إليهم من دون وسيط حزبي أو طائفي. لا يجوز أن يبقى المواطن بحاجة إلى نائب أو حزب أو زعيم أو مرجعية طائفية لكي يصل صوته إلى الدولة”.

ختم: كفى إعادة إنتاج الانقسام. كفى دفع ثمن صراعات الآخرين. لقد جربنا الطائفية، وجربنا الاصطفافات، وجربنا الحروب، وجربنا التسويات، وجربنا انتظار الخارج. فماذا بقي أمامنا إلا أن نجرب لبنان؟ لبنان لجميع اللبنانيين. وحان الوقت لأن يصبح المواطن شريكاً في الدولة، لا مجرد متلقٍ لقراراتها”.