حين تُطرح القدس في فضاء الفكر والثقافة، لا تعود مجرد مدينة تختصرها الجغرافيا، ولا قضية يمكن الإحاطة بها من زاوية سياسية واحدة؛ إذ سرعان ما تتداخل في صورتها أسئلة الدين والتاريخ والذاكرة والهوية والعمارة والأدب والإنسان. ومن هذا المنطلق، جاءت الندوة الفكرية «القدس: المكان والقداسة والذاكرة» التي نظّمتها المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بتونس – ضمن سلسلة الحوارات الثقافية والحضارية بين إيران وتونس واللقاءات الفكرية المخصّصة لموضوع المقاومة.
بحضور سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتونس، وعدد من الشخصيات الأكاديمية والثقافية، إلى جانب نخبة من الباحثين والمثقفين والمهتمين بقضايا القدس والمقدّس والذاكرة والمقاومة.
وشكّلت الندوة مناسبة لتقديم كتاب الدكتور والكاتب بوراوي الطرابلسي الموسوم بـ**«الحرم القدسي: المؤرّخ بين المحرّم والمدنّس»**، إلى جانب مداخلات علمية قاربت القدس من زوايا فلسفية وتاريخية ودينية وسوسيولوجية وأدبية، في محاولة لتوسيع النقاش حول المدينة خارج حدود القراءة الجغرافية والسياسية المباشرة.
القدس… حين يتحول المكان إلى ذاكرة
استهلّت الفعاليات ببث النشيدين الوطنيين التونسي والإيراني، ثم بكلمة للدكتور جعفر مرواريد، المستشار الثقافي الإيراني بتونس وأستاذ الفلسفة بجامعة الفردوسي، حملت عنوان «المقدّس والذاكرة والمقاومة في القدس».
وانطلق د. مرواريد من سؤال جوهري حول طبيعة المقدّس: هل هو مجرد معطى ثابت مرتبط بالمكان، أم أنه نتيجة لمسار مستمر من إنتاج المعنى؟ ومن هذا المنظور، قدّم القدس باعتبارها فضاءً تراكمت داخله طبقات دينية وتاريخية وثقافية واجتماعية متعاقبة، بما يجعل المكان المقدّس يتجاوز بنيته المادية ليحمل ذاكرة الجماعات ونصوصها ورموزها وتأويلاتها وممارساتها.
وأكد أن فهم القدس لا يمكن أن يستند إلى لحظة تاريخية منفردة، بل يحتاج إلى قراءة متعددة الطبقات تستحضر النص والوثيقة والأثر والعمارة والذاكرة والتأويل، بما يسمح بالنظر إلى تاريخ المدينة باعتباره مسارًا مركبًا لا خطًا زمنيًا بسيطًا.
من التاريخ الخطي إلى «أركيولوجيا» المعنى
وفي مقاربته للتاريخ، دعا الدكتور مرواريد إلى تجاوز القراءة الكرونولوجية التي تكتفي بترتيب الأحداث وفق تسلسلها الزمني، باتجاه قراءة تستفيد من مفاهيم الجينيالوجيا والأركيولوجيا، بما يسمح بتحليل مختلف طبقات الخطاب والمعنى التي تشكلت حول القدس.
فالمدينة، وفق هذه المقاربة، ليست نتاج رواية واحدة، وإنما فضاء تتقاطع فيه نصوص وذاكرات وآثار وممارسات وتأويلات متعددة. ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى القدس بوصفها مجالًا لإعادة إنتاج المعنى، لا مجرد شاهد على أحداث الماضي.
المقدّس بين التقاليد الإبراهيمية وتعدد الذاكرات
وتوقفت المداخلة عند تشكل مفهوم المقدّس في التقاليد الإبراهيمية، ولا سيما اليهودية والمسيحية والإسلام، وكيف انتقل المقدّس من النص إلى المكان، ومن التصور الديني إلى العمارة، ومن الذاكرة الدينية إلى الذاكرة الجماعية.
وأكد مرواريد أهمية قراءة هذه التقاليد ضمن علاقاتها التاريخية والثقافية المتداخلة، مع الاعتراف في الوقت نفسه بالاختلافات العميقة بينها. فالقدس، بهذا المعنى، تمثل فضاءً تتقاطع فيه ذاكرات دينية متعددة، وهو ما يجعل التعامل معها يحتاج إلى مقاربة تتجاوز الاختزال والانغلاق.
كما استحضر مفهوم «أهل الكتاب» في القرآن الكريم، وقوله تعالى «مصدّقًا لما بين يديه»، في سياق الحديث عن العلاقة بين الرسالات الإبراهيمية، بوصفها علاقة لا تختزل في القطيعة، بل تتضمن أيضًا الاعتراف والاستمرار وإعادة التأويل.
من المقدّس إلى المقاومة… معركة الذاكرة والمعنى
كان الربط بين المقدّس والذاكرة والمقاومة من أبرز محاور مداخلة الدكتور مرواريد. فالمقاومة، وفق الطرح الذي قدمه، لا تقتصر على مواجهة القوة المادية، وإنما تمتد إلى مقاومة احتكار المعنى والذاكرة والتاريخ والمقدّس.
ومن هذا المنظور، تصبح المحافظة على الذاكرة التاريخية والثقافية للقدس جزءًا من مواجهة محو المعنى وإعادة تشكيل الوعي بالمكان. فالجدل حول القدس لا يدور حول السيطرة على المكان فحسب، بل يمتد إلى سؤال الرواية: من يملك حق رواية تاريخ المكان؟ ومن يحدد معناه؟ ومن يمتلك حق تفسير ذاكرته ومقدساته؟
وفي هذا السياق، تناولت المداخلة الحرم القدسي بوصفه نموذجًا بالغ التعقيد لتداخل الدين والتاريخ والذاكرة والعمارة، وطرحت إمكانية النظر إلى المقدّس باعتباره مجالًا مشتركًا بدل تحويله إلى أداة لإلغاء الآخر.
حين يصبح المقدّس مدخلًا إلى الاعتراف بالإنسان
في ختام مداخلته، انتقل الدكتور مرواريد إلى البعد الأخلاقي والإنساني للمقدّس، مؤكدًا أن الإشكال لا يكمن في وجود المقدّس، وإنما في تحوله إلى وسيلة لإلغاء الإنسان الآخر.
واستحضر في هذا السياق المعنى الإنساني الوارد في شعر سعدي الشيرازي حول وحدة بني آدم، ليجعل من الإنسان مدخلًا لإعادة التفكير في علاقة المقدّس بالآخر، وفي إمكانية انتقال المقدّس من مجال الصراع والإقصاء إلى مجال التلاقي والاعتراف بالكرامة الإنسانية.
«الحرم القدسي»… المؤرخ بين المحرّم والمدنّس
وفي محور آخر من الندوة، قدّم الدكتور بوراوي الطرابلسي مداخلته بعنوان «طريقتي في تناول المقدّس: من السؤال إلى البرهان»، بالتزامن مع تقديم كتابه «الحرم القدسي: المؤرّخ بين المحرّم والمدنّس».
وطرح الكتاب مقاربة تاريخية متعددة المصادر لدراسة الحرم القدسي، تقوم على الجمع بين النصوص الدينية والوثائق والآثار والنقوش والعمارة واللغة والذاكرة. كما يستفيد من مفهوم الطبقات التاريخية ومن أدوات علم الآثار، ومن بينها مصفوفة هاريس، في محاولة لقراءة التراكمات التي أسهمت في تشكيل روايات المكان المقدّس.
ويتناول البحث عددًا من القضايا المتصلة بتاريخ المقدّس، من بينها سؤال المؤرخ ودوره في قراءة المقدّس، والعلاقة بين النص والمكان والذاكرة، وهيكل سليمان، وقصة الخلق والتصور الكوني والعمارة المقدسة، والميثولوجيا والعمارة في حضارات الشرق القديم، فضلًا عن يهوه والبيت وهيكل سليمان، وإشكالية إعادة البناء والشرعية في سياق عزرا، والتحولات التي طرأت على مفهوم الهيكل في المسيحية.
كما يتوقف الكتاب عند الدلالات اللغوية لمفهومي «العذراء» و«البتول»، ورمزية البتولة وصلتها بأورشليم وصهيون، والتصور القرآني للخلق وعلاقته بالمقدّس، والحرم القدسي بوصفه شاهدًا معماريًا على تشكل الجماعة الإسلامية، إلى جانب رواية رجاء بن حيوة وإعادة تنظيم الفضاء المقدس، والعلاقة بين العمارة الإسلامية والذاكرة الرافدية القديمة، والعباسيين وبغداد وبابل، والذاكرة المعمارية.
وتلتقي هذه الموضوعات في فكرة مركزية تتمثل في النظر إلى المقدّس باعتباره مسارًا تاريخيًا متعدد الطبقات، تتداخل فيه النصوص والعمارة والذاكرة والتأويل.
القدس… «مرآة للبشرية» في سوسيولوجيا التعددية
من جانبه، قدّم الدكتور محمد سلطانية، عضو الهيئة العلمية في جامعة الرضوية للعلوم الإسلامية، مداخلته بعنوان «جدلية المقدّس وسوسيولوجيا التعددية الحضارية»، مقاربًا القدس من زاوية سوسيولوجيا الدين.
وأكد أن القدس ليست مجرد بقعة جغرافية أو منطقة ذات دلالة سياسية، وإنما هي مفهوم تجاوز الحدود المكانية والزمانية، وأصبحت فضاءً تختبر فيه المجتمعات الإنسانية قضايا التعددية والعدالة والقداسة والانتماء.
ووصف سلطانية القدس بأنها «مرآة للبشرية»، باعتبارها منطقة تتقاطع فيها السرديات الكبرى مع الواقع المعاش، وتلتقي فيها التجارب الدينية والاجتماعية والإنسانية.
وفي قراءته السوسيولوجية، دعا إلى تجاوز النظرة الحسية للمكان، والانتقال إلى تحليل تكويني يبحث في المعنى الاجتماعي العميق للقداسة. فالقدس، بالنسبة إلى المؤمن، ليست مجرد مكان، وإنما عنصر منظم للواقع الوجودي، بينما يمثل المكان المقدس، في التصور الذي عرضه، فضاءً ترتبط به الجماعة المؤمنة في بناء شعورها بالانتماء والهوية.
الطقوس والذاكرة… كيف يتحول المكان إلى سلوك اجتماعي؟
وطرح الدكتور سلطانية سؤالًا آخر حول كيفية تحول القدس إلى سلوك اجتماعي لدى أتباع الديانات الإبراهيمية، مشيرًا إلى الدور الذي تؤديه الطقوس والممارسات المرتبطة بالمكان، مثل الزيارة والحنين والدفاع عنه.
وبحسب هذه المقاربة، لا تعمل الطقوس باعتبارها ممارسات فردية فقط، وإنما تسهم في تعزيز تماسك الجماعة وتجديد ارتباطها بالرموز التي تشكل ذاكرتها. وهكذا تصبح القدس مستودعًا لمشاعر الجماعة وذاكرتها، وليس مجرد موضوع جغرافي منفصل عن الإنسان.
الأدب… من ذاكرة القدس إلى هويتها الثقافية
أما الدكتور حميد عباس زاده، عضو الهيئة العلمية في جامعة الرضوية للعلوم الإسلامية، فقد تناول القدس من منظور الأدب والذاكرة الثقافية والحضارية، في مداخلة حملت عنوان «دور الأدب في بناء الذاكرة الثقافية والحضارية للقدس».
وانطلق من سؤال أساسي: ماذا يفعل الأدب بالقدس؟ موضحًا أن المسألة لا تتعلق فقط برصد حضور المدينة في الشعر والرواية والنثر، وإنما بالبحث في الدور الذي يؤديه الأدب في حفظ صورتها، وبناء ذاكرتها الثقافية والحضارية، ونقل هذه الذاكرة من جيل إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى.
وقدم عباس زاده مسارًا متدرجًا للقدس: من المكان المقدس إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الأدب، ومن الأدب إلى الثقافة والهوية، ومن الهوية إلى الرمز الحضاري، ومن الرمز إلى إمكان الحوار بين الأديان والثقافات.
القرآن والأدب… القدس من المكان إلى الوجدان
وفي حديثه عن الذاكرة الدينية، أشار الدكتور عباس زاده إلى حضور القدس في القرآن الكريم، مستحضرًا قوله تعالى: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله»، مؤكدًا أن القدس لا تظهر هنا بوصفها موقعًا جغرافيًا فحسب، وإنما ضمن ذاكرة دينية وروحية ترتبط بالإسراء والمسجد الأقصى وأرض الأنبياء.
كما أشار إلى ارتباط المدينة بذاكرة المسلمين باعتبارها القبلة الأولى، وإلى حضورها في الذاكرة الدينية لدى أتباع الديانات الإبراهيمية.
ومن هذا المنطلق، يرى أن الأدب لا يكتفي بإخبار القارئ بأن القدس مدينة ذات تاريخ، بل يحول التاريخ إلى تجربة إنسانية، والمكان إلى صورة، والذاكرة إلى إحساس. ولذلك تعددت صور القدس في الأدب، فظهرت باعتبارها مدينة محبوبة، ووطنًا، وجرحًا، وحلمًا ورمزًا، بما يجعل المكان حاضرًا في الوجدان لا في الخرائط وحدها.
من الذاكرة إلى الهوية… الأدب بوصفه حارسًا للمعنى
وشدد عباس زاده على أن الذاكرة لا تبقى مجرد ذاكرة عندما تنتقل بين الأجيال، وإنما تتحول إلى جزء من الثقافة، ثم تصبح الثقافة عنصرًا من عناصر الهوية.
وفي هذا السياق، يرتبط حضور القدس في الشعر العربي الحديث بمعاني الوطن والانتماء والكرامة والأمل والجرح والمقاومة، كما حضرت المدينة في الأدب الفارسي، بما يعكس تعدد دوائر الذاكرة المرتبطة بها.
وتبرز هنا القدس باعتبارها مدينة تحمل طبقات متعددة من الذاكرة الدينية والثقافية والتاريخية، وهو ما يمنحها، في المنظور الثقافي والحضاري، قدرة استثنائية على استيعاب تجارب إنسانية متعددة.
«من القيروان إلى طهران»… الشعر يفتح نافذة على التضامن الثقافي
وفي امتداد للمحور الأدبي، قدّم الشاعر التونسي لزهر النفطي قصيدة شعرية بعنوان «من القيروان إلى طهران»، حملت رسالة تضامن إنسانية مع الشعب الإيراني في سياق التفاعل مع القضية الفلسطينية، وتضمنت أبياتًا أشادت بإيران ودورها في دعم قضية فلسطين، لتضيف إلى الندوة بعدًا شعريًا يربط بين التعبير الأدبي والتفاعل الثقافي بين تونس وإيران.
نقاشات أكاديمية تؤكد أهمية الذاكرة الثقافية
وشهدت الندوة تفاعلًا من عدد من الأساتذة والباحثين الذين أكدوا أهمية طرح قضية القدس من زوايا فكرية وثقافية تتجاوز المعالجة المباشرة.
وفي هذا السياق، أبرز الأستاذ عزيز شراج أهمية كتاب «الحرم القدسي» وتأثيره المحتمل في الأجيال القادمة، مشيرًا إلى أهمية تجربة نشره عبر دار المقدمة وإتاحته للحضور في معرض تونس الدولي للكتاب، بما يسهم في تعزيز التوعية بالقضية الفلسطينية والاهتمام بأبعادها الفكرية والثقافية.
كما أكد الدكتور توفيق بن عامر أهمية الموضوع المطروح، خاصة في ظل الظروف الراهنة، مشيرًا إلى المكانة المركزية التي تحتلها القدس في الوعي الديني والثقافي، ودورها في جمع الاهتمام بالقضية الفلسطينية.
وأشاد متدخلون آخرون بالدراسة التحليلية التي قدمها الدكتور بوراوي الطرابلسي، ولا سيما من حيث تناولها للجوانب التاريخية والثقافية وثنائية المقدّس والمدنّس، وما تفتحه من إمكانات لقراءة الرمزية التاريخية والدينية للقدس.
القدس… مكانٌ وذاكرةٌ ورمزٌ وصراعٌ على المعنى
أظهرت مختلف مداخلات الندوة أن القدس لا يمكن اختزالها في بعدها الجغرافي أو السياسي، فهي في الوقت نفسه مكان مقدّس، وذاكرة جماعية، ونص تاريخي، ورمز ديني، وفضاء معماري، وموضوع أدبي، ومجال تتقاطع فيه التأويلات والهويات.
ومن خلال الجمع بين الفلسفة والتاريخ وسوسيولوجيا الدين والأدب والعمارة، حاولت الندوة توسيع أفق النقاش حول القدس، والانتقال من سؤال المكان وحده إلى سؤال المعنى الذي ينتجه الإنسان حول المكان.
وفي الختام، بدا أن إحدى الأفكار الجامعة لمختلف المداخلات تتمثل في أن الصراع حول القدس لا يتعلق بالمكان المادي فقط، وإنما يرتبط كذلك بالذاكرة والرواية والتأويل والهوية. ومن هنا، تصبح دراسة القدس واستعادة ذاكرتها وقراءة تاريخها ونصوصها وآثارها وأدبها جزءًا من معركة أوسع حول من يروي المكان، ومن يمنحه المعنى، وكيف يمكن للمقدّس أن يكون مجالًا للذاكرة والحوار والاعتراف بالإنسان بدل أن يتحول إلى أداة للإقصاء والصراع.







































