كتبت صحيفة “الجمهورية”: الفترة السابقة لانتخابات الكنيست في إسرائيل، والانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، سخّرت غرف التهويل ومصادر الضخ الخبيث المحلية والخارجية، كل طاقاتها، لإدخال العالم بأسره في قبضة القلق من احتمالات حربية حتمية تسبقها، وسيناريوهات لمواجهات عسكرية أكثر كارثية ودموية من تلك التي حصلت خلال السنتَين الأخيرتَين على الجبهة الإيرانية، وربطاً بها الجبهة اللبنانية. والآن، مع إجراء الانتخابات في إسرائيل، وبدء العد التنازلي للانتخابات في الولايات المتحدة، بدأت تلك الغرف والمصادر بالتركيز على المرحلة التالية للانتخابات، وترحيل تلك الاحتمالات والسيناريوهات إليها.
قلق… لا قلق!
موجة القلق لم تنتفِ إقليمياً، إذ إنّها ما زالت تدور في غموض الأيام السبعة الفاصلة عن الانتخابات الأميركية، وتصعد وتهبط على وقع التهديدات بتوجيه ضربة إلى إيران، التي يؤكّدها وينفيها في آنٍ معاً، ما يصدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تأكيد لهذه الضربة، ومن ثم التراجع عنها وتغليب احتمال الاتفاق السياسي، فيما يقلّل من احتمالاتها ما يُعلن عن حراك مكثّف – بعيد من الأضواء – للوسطاء، وتبادل الأفكار والطروحات بين واشنطن وطهران، وما يواكبها من لقاءات تتسمّ بأهمية بالغة في الشكل والمضمون، تجري على غير صعيد إقليمي، وآخرها بالأمس، الاجتماع الرباعي في طهران، الذي وصف بـ«غير العادي»، بين مسؤولين كبار من إيران والسعودية والباكستان وتركيا.
ويأتي هذا الاجتماع، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من اندلاع جولة جديدة من القتال على جبهة إيران، ويشارك فيه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الاستخبارات التركية ابراهيم قالن. ومعلوم هنا، أنّ السعودية وتركيا وباكستان، هي الدول الثلاث الموقّعة على «اتفاق مكة للدفاع المشترك». وقد التقى الوفد الثلاثي السعودي التركي والباكستاني بالرئيس الإيراني مسعود بزكشيان، الذي أكّد «الاستعداد لتعميق التعاون وحل الخلافات».
حدث مهمّ
ورداً على سؤال لـ«الجمهورية»، قارب مرجع سياسي هذا الاجتماع كـ«حدث مهمّ» يحتمل أمرَين، «الأول، أن يكون محاولة أخيرة لتليين موقف إيران إزاء ما يُطرَح من قضايا وملفات في الاتصالات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، وذلك لتجنّب أي ضربة أميركية محتملة».
وأمّا الأمر الثاني، يضيف المرجع السياسي: «فقد يكون الأقرب إلى الواقع، إذ إنّ ما أملت هذا الاجتماع الرباعي هي مخاوف تلك الدول واستشعارها العالي النسبة لمخاطر كبرى ليس فقط على مستقبل تلك الدول، بل على كل دول المنطقة، وعلى الاستقرار العام في منطقة الشرق الأوسط. وأمّا غايته، فهي كما يبدو، وضع خريطة طريق سريع نحو أمن مستدام في المنطقة. وبالتأكيد، مثل هذا الاجتماع الذي تشارك فيه دول لصيقة بتحالفها للولايات المتحدة، فإنّ واشنطن ليست غائبة عنه، بل هي حاضرة فيه بصورة غير مباشرة».
ويبرز في هذا السياق، إعلان وزارة الخارجية السعودية «أنّ اللقاءات المقرّرة مع كبار المسؤولين الإيرانيّين تهدف إلى تشجيع الحوار وتفعيل الحلول الديبلوماسية، إلى جانب دعم وإسناد جهود الوساطة التي تقودها قطر وباكستان لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة».
فشل المسار العسكري
في سياق متصل، أبلغ مصدر ديبلوماسي عربي إلى «الجمهورية» قوله: «الديبلوماسية تبقى أفضل الخيارات لبلورة مخارج وحلول للأزمات حتى ولو كانت مستعصية. التجربة المستقاة من الحروب التي حصلت، تؤكّد أنّ المسار العسكري أثبت فشله في إحداث أي متغيّرات، بل أصاب بالضرر الكبير جميع الأطراف، وتأكّد للجميع بأنّ لا سبيل لإنهاء الوضع المأزوم سوى عبر الديبلوماسية والحوار».
ولفت المصدر، إلى أنّ خط الاتصال مفتوح بين الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، وهناك الكثير من الأفكار والطروحات التي يتمّ تبادلها، لكن حتى الآن لا يمكن الحديث عن تقدُّم، أو بمعنى أوضح وأدق، لا توجد حتى الآن أي مؤشرات لقرب انتهاء الحرب».
وأشار المصدر الديبلوماسي إلى أنّ «الإيجابية الوحيدة التي يمكن التأكيد عليها تتجلّى في أنّ الجانبَين، وعلى الرغم من خطابهما التصعيدي، أبديا حرصاً على عدم إغلاق قنوات التواصل بينهما»، موضحاً «أنّ النقاشات الجارية تنطلق أو ترتكز في جانبها الأساسي على مندرجات مذكرة التفاهم الموقّعة بين الجانبَين الأميركي والإيراني. وكما هو معلوم، فإنّ إيران تعلن التزامها بهذه المذكرة وتعتبرها الأساس الثابت للتسوية، فيما الولايات المتحدة متشدّدة في إصرارها على تعديلها وتطويرها».
وأضاف، أنّ «الوساطات ستستمر، على الرغم من أنّ الوسطاء مدركون بأنّ مهمّتهم فائقة الصعوبة، ذلك أنّ عناصر الخلاف الجوهرية؛ الملف النووي، الأرصدة المجمّدة، مضيق هرمز، وأذرع إيران، تعتريها تعقيدات كبرى، وأبعد من ذلك، فإنّ إحدى أبرز النقاط الخلافية، إلى جانب نقاط الخلاف الجوهرية، تتجلّى في صعوبة برمجة أو جدولة هذه العناصر، وأي عنصر منها يتقدّم على سائر العناصر في المسار التنتفيذي لأي اتفاق أو تسوية محتملة».
ومردّ ذلك، بحسب المصدر الديبلوماسي، «يعود بالدرجة الأولى، ليس فقط لعمق الخلاف على تلك العناصر، بل لانعدام الثقة بين واشنطن وطهران، التي تعدمها أكثر التهديدات المتتالية بالضربات العسكرية، وكذلك العامل الإسرائيلي الذي ليس خافياً على أي من أطراف النزاع بأنّه يطلب المزيد من الحروب».
ورداً على سؤال أوضح: «الجانبان الأميركي والإيراني يعلنان جهوزيتهما للحرب، ويؤكّدان في الوقت نفسه عبر قنوات الاتصال أنّهما يرغبان في تجنّبها»، مضيفاً أنّه «بالتأكيد لا يمكن حسم وجهة الأمور بصورة قاطعة، أكان نحو التصعيد أو نحو مسار معاكس له، لكن الآن في هذه المرحلة، فإنّه خلافاً لكل الأجواء التي تشيع التوترات وتنذر بمواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، فإنّ المعطيات الأكيدة المستخلصة من أجواء الجانبَين، تؤكّد أنّ احتمالات المواجهة، وكلك احتمالات بلورة تفاهم بين واشنطن وطهران ضعيفة جداً قبل الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة التي باتت على بُعد أقل من أسبوع، ما يعني أنّ الأمور رُحِّلت بجانبَيها السياسي والعسكري بصورة تلقائية إلى ما بعد الانتخابات الأميركية».
القلق شديد
وأما محلياً، فيبدو القلق على أشدّه من احتمالات عودة التصعيد الإسرائيلي على جبهة لبنان، سواء قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية أو بعدها. ويجري التعبير عنه بوضوح في حالة الحذر الشديد التي تسود بعض المناطق، ولاسيما في الجنوب والضاحية الجنوبية، والتي ترافقت مع نزوح مئات العائلات إلى خارج تلك المناطق. وما يزيد من حدة القلق، انعدام عامل الاطمئنان، والفلتان الخبيث على مواقع التواصل الاجتماعي، لمجموعات تروّج لحرب صعبة وتحدّد مواقيت وشيكة لاندلاعها. وقد لوحظت في موازاة هروب بعض العائلات، عودة تفاعل أزمة ارتفاع الإيجارات في بعض المناطق.
هذا الوضع يُضاف إلى المعاناة المتراكمة من الحروب السابقة، وآثارها التدميرية التي تتنامى في محاذاتها حال من التذمّر الواسع النطاق من الخسائر المهولة التي أصابت الناس، والكفر بمَن تسبَّب بهذه الفاجعة التي أودت بحياة آلاف الضحايا والمصابين والمنكوبين ببيوتهم وبلداتهم المدمّرة عن بكرة أبيها.
الناس لا تريد الحرب، بل تريد استعادة أمانها، والخروج من وضع يدخلها رغماً عنها وبين وقت وآخر، في امتحان صعب يدفّعها أثماناً مجانية باهظة، بل تريد الدولة جامعة لكل اللبنانيّين وتنهض بهم وبالبلد، وهو ما يشدّد عليه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، «لناحية التعلّم من تجارب الماضي، ووضع مصلحة لبنان فوق الحسابات الضيّقة، والعمل على تحصين وحدتنا الوطنية، لا بالشعارات فقط، بل بالممارسة وبالعدالة وبالمساواة في الحقوق والواجبات». فالدولة كما يقول «ليست في مواجهة أبنائها، بل هي ضمانتهم، وليست ملكاً لفئة أو طائفة أو فريق، بل هي ملك اللبنانيّين جميعاً، ومرجعيّتهم المشتركة. وإضعاف الدولة لا يمنح القوّة لأي مكوّن، والوطن لا يستطيع النهوض إلّا بأبنائه مجتمعين». والأهم «أنّ الدولة الحديثة القوية والموحّدة والمزدهرة تقوم على مركزية السلاح بيد جيشها الواحد، ولا مركزية الإنماء، أي الإنماء على مساحة كل الوطن».
خطر دائم
على أنّ الدعوة إلى تحصين الداخل التي يلتقي الرئيس عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري على التأكيد عليها في هذه المرحلة، مبعثها، كما يقول مسؤول رفيع لـ«الجمهورية»: «المخاطر التي تحوم في الأجواء، ولاسيما خطر التصعيد الإسرائيلي، الذي لا زمان له ولا مكان ولا ذريعة، أكان قبل الانتخابات أو بعد الانتخابات، وأكان مع نتنياهو أو مع أي شخصية إسرائيلية غيره. إذاً الخطر قائم ودائم، وإن اختلفت الوجوه في إسرائيل».
وعن احتمال الحرب، أكّد: «لا توجد أي ضمانات من أيّ جهة، لا من الأميركيّين ولا من غيرهم، بعدم حصولها». مضيفا: «الآن، عيني على الجنوب، فبعد فترة ستُرحَّل قوات «اليونيفيل» ويُترَك الجنوب منطقة مستباحة لإسرائيل لتكريس احتلالها بصورة دائمة لمنطقة جنوب الليطاني، وهذا بحدّ ذاته صاعق حرب وتصعيد، يعيد الأمور على ما كانت عليه من مواجهات قبل العام 2000».
الحزب يتحضّر
إلى ذلك، أفاد مسؤولون أمنيون لبنانيون مطلعون على أنشطة «حزب الله» لوكالة «رويترز»، بأنّ الجماعة المسلحة قضت ثلاثة أشهر للاستعداد لاحتمال استئناف الأعمال القتالية مع إسرائيل بعد أن تلقّت تمويلاً نقدياً من إيران.
وأبلغ مصدران أمنيان لبنانيان «رويترز» بأنّ الحزب استغل فترة الهدوء في الأعمال القتالية منذ حزيران لإعادة التسلح، مع التركيز على شراء المتفجرات وإنتاج طائرات مسيّرة يمكن توجيهها نحو المواقع الإسرائيلية.
وأوضح أحد المصادر، ومصدر آخر مقرّب من «حزب الله»، أنّ الجماعة تلقّت عشرات الملايين من الدولارات من إيران للمساعدة في تعزيز قدراتها العسكرية. ويأتي ذلك بالإضافة إلى نحو 200 مليون دولار تلقّتها الجماعة من طهران لمساعدة العائلات النازحة.
وذكر أحد هذين المصدرين وثلاثة مسؤولين أمنيين آخرين مطلعين على عمليات الجماعة، أنّها تعمل على إعادة بناء هياكل القيادة والسيطرة التي انهارت خلال معارك حاسمة.
وأكّد المكتب الإعلامي لـ«حزب الله» رداً على أسئلة من «رويترز»، أنّ احتلال إسرائيل الأراضي اللبنانية يجعل أي مقاومة لها حقاً مشروعاً.
وأفادت مصادر لـ«رويترز»، بأنّ الحزب لم يتمكن بعد من تجهيز مخزوناته أو قواته القتالية تجهيزاً كاملاً.
ولا يزال «حزب الله» يعيد التزود بالعتاد، معترفاً هذا الشهر بأنّ متفجرات ضبطتها السلطات اللبنانية تابعة له ومعدّة للاستخدام ضدّ إسرائيل. وقال مسؤول في الحزب ومصدر أمني لبناني لـ«رويترز»، إنّ المتفجرات كانت مخصصة تحديداً لطائراته المسيّرة المتفجرة.
وذكر أحد المصادر اللبنانية وثلاثة مسؤولين أمنيين، أنّ الحزب سيحتاج أيضاً إلى إعادة بناء قدراته في القيادة والسيطرة بعد خسائره على جبهات رئيسية، منها بلدة بنت جبيل المتوترة وتلة علي الطاهر الاستراتيجية.
وأشاروا إلى أنّ أسلوب «حزب الله» المتمثل في العمل بوحدات صغيرة وترشيد استخدام الصواريخ المضادة للدبابات، ترك بعض الوحدات معزولة على تلك الجبهات، وتجد صعوبة في مواجهة أنظمة إسرائيل التي تدار من بُعد، ومنها الطائرات المسيّرة المسلحة والمركبات المسيّرة من بُعد.



































