Les actualités les plus importantes et les plus récentes du monde en français

السجاد والصناعات اليدوية… جسورٌ من الإبداع والحضارة بين إيران وتونس

ندوة فكرية تستحضر ذاكرة الشعوب وتبحث مستقبل التراث في زمن العولمة

في إطار سلسلة الحوارات الثقافية والحضارية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية التونسية، واحتفاءً باليوم الوطني للسجاد الإيراني والصناعات اليدوية، نظمت المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بتونس ندوة فكرية بعنوان «فن السجاد والصناعات اليدوية: دراسة مقارنة بين إيران وتونس»، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والفنانين والمتخصصين في التراث والفنون التقليدية من البلدين.

وشكلت الندوة فضاءً للحوار حول أحد أهم مكونات الهوية الثقافية للشعوب، حيث التقت التجربتان الإيرانية والتونسية عند محطات التاريخ والإبداع والحرفية، في محاولة لاستكشاف أوجه التلاقي والتفاعل بين تراثين عريقين استطاعا المحافظة على حضورهما رغم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

السجاد والصناعات اليدوية

واستهلت فعاليات الندوة بكلمة ترحيبية ألقاها سعادة المستشار الثقافي الإيراني بتونس

السيد “جعفر ميرواريد” رحب فيها بالمشاركين والحضور، مؤكداً أن تنظيم هذه التظاهرة يأتي في سياق الإيمان بأهمية الثقافة كجسر للتقارب بين الشعوب، وبقدرة التراث على بناء مساحات مشتركة للحوار والتفاهم الحضاري.

وتوقف المستشار الثقافي عند المكانة المتميزة التي يحض بها السجاد الإيراني في الوجدان الثقافي الإيراني، معتبراً أنه ليس مجرد منتج حرفي أو قطعة فنية للزينة، بل  يمثل تراث إنساني حي يجسد قروناً من الإبداع والتراكم الحضاري. وأوضح أن كل سجاد إيراني يحمل بين خيوطه حكاية من التاريخ، ويعكس منظومة متكاملة من القيم الجمالية والفنية والروحية التي شكلت ملامح الحضارة الإيرانية عبر العصور.

وأشار إلى أن تميز السجاد الإيراني عالمياً لم يأت من جودة الصناعة فحسب، وإنما من قدرته على التعبير عن هوية ثقافية متجذرة، تتجلى في زخارفه النباتية والهندسية وألوانه المستمدة من الطبيعة ورموزه المستوحاة من الأدب والفنون والعمارة الإيرانية و الحدائق الفارسية ، حتى تحول إلى سفير ثقافي ينقل صورة إيران إلى مختلف أنحاء العالم.

كما أبرز أهمية الصناعات اليدوية باعتبارها أحد أهم روافد التنمية الثقافية والاقتصادية، مؤكداً أن هذه الحرف تختزن معارف وخبرات متوارثة تمثل جزءاً من الذاكرة الجماعية للشعوب. وفي هذا السياق اكد على مكانة السجاد و الصناعات اليدوية في عصر العولمة والتصنيع الواسع النطاق.

وشدد على أن الحفاظ على هذه الموروثات لا يعني التمسك بالماضي فحسب، بل يمثل استثماراً في الهوية والتنمية والاقتصاد الثقافي للأجيال القادمة.

السجاد الإيراني عنوان للإبداع الإنساني

وفي كلمة القاها سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتونس “مير مسعود حسينيان” خلال الندوة، حيث هنأ  الحضور بمناسبة حلول السنة الهجرية الجديدة، متمنياً  للشعب التونسي وللشعوب الإسلامية مزيداً من التقدم والازدهار.

وأشار إلى تزامن المناسبة مع شهر محرم، شهر القيام والصمود والتضحية، مستحضراً الدلالات الإنسانية والحضارية لنهضة الإمام الحسين (ع)، مؤكداً أن ثقافة المقاومة والثبات على المبادئ تمثل أحد المرتكزات الأساسية في وجدان الشعوب التي استلهمت قيم عاشوراء عبر التاريخ.

كما أعرب عن سعادته بالمشاركة في هذه التظاهرة الثقافية التي تجمع باحثين ومبدعين من البلدين، قبل أن يتناول المكانة التي يحتلها السجاد الإيراني بوصفه مرآة تعكس التاريخ الإيراني بكل ما يحمله من عمق حضاري وجمالي.

وأكد أن السجاد الإيراني يتميز بدقة الصنع وروعة الألوان وثراء الزخارف، وأن الحرفيين الإيرانيين لا ينسجون الخيوط فحسب، بل ينسجون صفحات من التاريخ تحفظها الأجيال جيلاً بعد جيل. كما استعرض عراقة هذا الفن مستحضراً سجادة بازيريك الشهيرة،و التي تعود الى العصر الاخميني و التي تعد من أقدم نماذج السجاد المكتشفة في العالم، بما يعكس الجذور الضاربة لهذا الفن في الحضارة الإيرانية.

وأضاف أن اعتماد السجاد الإيراني على الخامات الطبيعية الفاخرة وعلى المهارات اليدوية المتوارثة جعله يحتل مكانة عالمية مرموقة، حتى أصبح عنواناً للإبداع البشري وأحد أبرز رموز الثقافة الإيرانية. كما أشاد ببقية الصناعات اليدوية الإيرانية ودورها في دعم الاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة وتنشيط القطاع السياحي، منوهاً في الوقت نفسه بما تمتلكه تونس من إرث حرفي وثقافي عريق يجعلها شريكاً حضارياً متميزاً في هذا المجال.

متاحف العتبة الرضوية… حماية الذاكرة المنسوجة

ومن إيران، قدم الدكتور عبد الحسين ملك جعفريان، المدير العام لمتاحف العتبة الرضوية المقدسة، مداخلة تناول فيها أهمية السجاد في الثقافة الإيرانية ودور المؤسسات المتحفية في حفظ هذا التراث وصيانته.

واستعرض تاريخ تأسيس متحف السجاد ضمن منظومة متاحف العتبة الرضوية، مبرزاً الجهود المبذولة  في المحافظة عليه وفق أحدث الأساليب العلمية. كما سلط الضوء على الخصوصيات الفنية للسجاد الإيراني وعلى ما تختزنه كل قطعة من دلالات تاريخية وجمالية تجعل منها وثيقة حضارية لا تقل أهمية عن المخطوطات والآثار التاريخية.

الصناعات الإبداعية… عندما يتحول التراث إلى قوة ثقافية واقتصادية

اما عن مداخلة الدكتور مهدي أبزدخواه، الأستاذ الجامعي وعضو الهيئة المديرة بدار النشر «ترجمان»، فقد تناول من خلالها مفهوم الصناعات الإبداعية ودورها المتنامي في الاقتصاد المعاصر، مؤكداً أن التراث لم يعد مجرد إرث من الماضي، بل أصبح مورداً استراتيجياً قادراً على إنتاج القيمة الثقافية والاقتصادية في آن واحد.

وأوضح أن السجاد الإيراني يمثل نموذجاً متكاملاً للصناعة الإبداعية، حيث يجمع بين الأصالة التاريخية والابتكار الفني، ويقدم مثالاً على قدرة الصناعات التقليدية على الاندماج في الأسواق العالمية دون فقدان هويتها الثقافية.

من السجاد الصفوي إلى الزربية القيروانية… حوار فني عبر القرون

ومن الجانب التونسي، قدمت الدكتورة زينب كريمة دراسة علمية تناولت تأثير أنماط السجاد الصفوي الإيراني على زخارف الزربية القيروانية خلال العصر الحسيني، مستعرضة مسارات التفاعل الفني التي شهدها العالم الإسلامي عبر العصور.

وأبرزت الباحثة أوجه التشابه بين عدد من العناصر الزخرفية والرموز الفنية المشتركة، مؤكدة أن هذا التقارب يعكس عمق التبادل الثقافي بين المشرق والمغرب الإسلامي. وفي المقابل شددت على خصوصية الزربية التونسية التي احتفظت بطابعها المحلي المميز، المستمد بدرجة كبيرة من الموروث الأمازيغي الذي يشكل أحد أهم مكونات الهوية الثقافية التونسية.

وأوضحت أن الزربية القيروانية، رغم تأثرها ببعض المدارس الفنية الشرقية، استطاعت أن تطور لغة بصرية خاصة بها، تتميز بالرموز الهندسية والألوان والدلالات المرتبطة بالبيئة المحلية وبالتراث الأمازيغي والعربي والإسلامي، ما منحها شخصيتها الفنية المتفردة وجعلها إحدى أبرز علامات الصناعات التقليدية التونسية.

الزخرفة لغة الحضارات

وفي مداخلة أخرى، تناولت الدكتورة فاطمة البنا، المتخصصة في الزخرفة والمنمنمات، الأبعاد التاريخية والجمالية لفنون الزخرفة في الحضارتين الإيرانية والتونسية.

وتوقفت عند مفاهيم الزخرفة والتذهيب وعلاقتهما بالفنون الإسلامية، مؤكدة أن الزخرفة ليست مجرد عنصر جمالي يهدف إلى التزويق فحسب، بل تمثل لغة بصرية متكاملة تحمل مضامين فكرية وروحية وثقافية. كما بينت أن الزخارف والمنمنمات شكلت عبر التاريخ وسيلة للتعبير عن الرؤى الجمالية والحضارية للشعوب، وأسهمت في بناء جسور التواصل بين الثقافات المختلفة.

 

وقد اجتمعت مختلف المداخلات إلى أن السجاد والصناعات اليدوية لا يمثلان مجرد منتجات تقليدية أو حرف موروثة، بل يشكلان خزائن للذاكرة الإنسانية ومرآة لهوية الشعوب ومسيرتها الحضارية. كما أكدت الندوة أن ما يجمع إيران وتونس في هذا المجال يتجاوز حدود التشابه الفني، ليعكس عمق الروابط الثقافية والحضارية التي تجعل من التراث المشترك أرضية خصبة لمزيد من الحوار والتعاون والتقارب بين البلدين.