نور علي زريق – في زمنٍ تتراجع فيه المواقف أمام حسابات كثيرة وتعلو فيه أصوات الصمت بقدر ما تعلو أصوات الحرب، يصبح للكلمة وزنٌ مختلف خصوصاً عندما تصدر عن شخص يملك القدرة على التأثير. ومن هذا الباب جاء لقاء النجمة ريتا حايك مع الإعلامية هلا حداد في حواراً تجاوز الفن إلى أسئلة الوطن، الانتماء ومسؤولية صاحب المنبر في لحظة لا تحتمل الحياد الأخلاقي أمام وجع الناس
انطلاقاً من هذه المسؤولية حمل الحوار في مضمونه رؤية واضحة لمعنى الانتماء. فمنذ البداية أكدت ريتا أن الوطنية ليست درساً يُحفظ بل إحساس يولد مع الإنسان ويكبر معه. ورغم أنها ابنة بيروت ولم تنشأ في الجنوب، إلا أنها شددت على أن الجنوب جزء لا يتجزأ من هويتها لأن الانتماء لا تحدده الجغرافيا بل الإيمان بأن وجع أي بقعة من الوطن هو وجع الجميع. وأوضحت أن ما راكمته من ثقافة وقراءات واحتكاك بمختلف الشعوب أسهم في توسيع رؤيتها ورسّخ تمسكها بقيمها الإنسانية والوطنية.
ولأن الانتماء بالنسبة إليها لا يكتمل إلا بالفعل رفضت حايك المقولة التي تحصر الفنان في إطار عمله وتطالبه بأن “يبقى في التمثيل ” ، مؤكدة أن السياسة ليست شأناً منفصلاً عن حياة الناس بل تمتد إلى المدرسة والمستشفى وفرص العمل وكرامة الإنسان، ما يجعل من الطبيعي أن يكون للفنان رأي وموقف تجاه ما يعيشه مجتمعه. وأضافت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقدمه على المسرح أو أمام الكاميرا فحسب، بل أيضاً بقدرته على الوقوف في وجه الظلم، مستذكرة مشاركتها في التحركات الشعبية منذ انتفاضة السابع عشر من تشرين وتحركات غيرها، وذلك انطلاقاً من قناعة راسخة بأن المواطنة مسؤولية قبل أن تكون صفة.
ولعل الرسالة الأوضح في حديثها أن التعبير عن الموقف الوطني لا ينتقص من الفنان ولا يحدّ من حضوره بل يعزز ثقة الناس به واحترامهم له، مؤكدة أن التجربة أثبتت لها أن الصدق مع القناعات لا يتعارض مع النجاح المهني أو الاستمرار في العمل.
على خطٍّ موازٍ ، في ما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي جاءت مواقف حايك حاسمة إذ أعلنت رفضها لأي اتفاقات مع الكيان الإسرائيلي، معتبرة أن السلام لا يمكن أن يُبنى مع كيان يواصل ارتكاب المجازر بحق المدنيين. كما شددت على أن مقاومة الاحتلال حق مشروع تكفله القوانين والشرائع طالما أن المسارات السياسية والدبلوماسية لم تتمكن من استعادة الحقوق والأراضي المحتلة. ورأت أن المقاومة في جوهرها ليست مرتبطة باسم أو تنظيم بل هي فكرة رافقت الشعوب عبر التاريخ في مواجهة الاحتلال والظلم وستبقى ما بقي الاحتلال.
وفي مقابل حديثها عن مواجهة العدو توقفت عند خطر الانقسام الداخلي منتقدة الخطابات السياسية والإعلامية التي تؤجج الفتنة وتدفع اللبنانيين نحو مزيد من الكراهية والإقصاء. واعتبرت أن الاختلاف في الآراء والهويات مصدر غنى للبنان لا سبباً لتفكيكه، مؤكدة في الوقت نفسه أنها تحترم كل شخص يعبّر عن رأيه، حتى وإن كان مخالفاً لرأيها، لأن احترام الاختلاف هو المدخل الطبيعي لأي حوار وطني حقيقي، لا سيما في بلد يقوم على التنوع.
ومن هنا، وجهت رسالة واضحة إلى الفنانين وكل أصحاب المنصات المؤثرة، داعية إلى استخدام هذا التأثير في تعزيز الوحدة الوطنية، لأن الكلمة، حين تُستخدم للدفاع عن الناس ولمّ الشمل، تتحول إلى فعل مقاومة بحد ذاته. فالمنصات التي تصنع الرأي العام، برأيها، لا يجوز أن تتحول إلى مساحات للصمت عندما يتعلق الأمر بكرامة الإنسان، ولا إلى أدوات تغذي الانقسام في وقت يحتاج فيه اللبنانيون إلى خطاب يجمعهم أكثر من أي وقت مضى.
ولأن المسؤولية تبدأ من البيت أوضحت حايك أنها تحرص على تربية ابنها على احترام الآخر وتقبل الاختلاف الديني والثقافي . كما رأت أن الجيل الجديد سيكون أكثر وعياً لأن الجرائم التي يشهدها العالم اليوم لم تعد تُخفى بل تُوثق بالصوت والصورة وتُبث مباشرة ما يجعل تزييف التاريخ أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
ورغم الطابع الوطني للحوار، لم تغب محطات من مسيرتها الفنية، فتحدثت عن النجاح الذي حققه فيلم “ liste de mariage ”, كاشفة أنها صورته وهي في شهرها الخامس من الحمل. كما استعرضت تجربتها في الفيلم العالمي “Les Barbares” للمخرجة جولي ديلبي، حيث أدت دور طبيبة سورية فقدت ساقها، في عمل يناقش بجرأة ازدواجية المعايير في التعاطي مع قضايا اللاجئين والعنصرية في أوروبا .
في ختام الحوار، حملت ريتا حايك رسالة أمل مؤكدة أن لبنان قادر على تجاوز هذه المرحلة مهما اشتدت قسوتها شرط أن يتوقف أبناؤه عن استنزاف بعضهم البعض، وأن يدركوا أن وحدتهم هي السلاح الأقوى في مواجهة كل التحديات. وفي هذا السياق قدّمت حايك نموذجاً لفنانة لم تجعل من شهرتها مساحة للحياد بل منبراً للتعبير عن قناعاتها والدفاع عمّا تؤمن به. ورغم أنها لا تنتمي إلى الجنوب جغرافياً إلا أنها بدت قريبة منه في وجعه ، في صبره وفي إيمانها بأن الانتماء الحقيقي لا تحدده الجغرافيا بل الموقف.







































