كتبت صحيفة “الجمهورية” تقول: لبنان بكلّ مكوّناته وأطيافه ومستوياته السياسية والروحية، يستقبل غداً، البابا لاوون الرابع عشر في زيارة تاريخية، تتزامن مع ظرف هو الأصعب في تاريخ هذا البلد، ولعلّها تشكّل نقطة جمع للبنانيِّين بكل طوائفهم وانتماءاتهم، وفرصة لالتقائهم على كلمة سواء، توحّد في ما بينهم، ويتشاركون في تحدّي واقعهم المرير، وحماية بلدهم وتحصينه أمام ما تشهده المنطقة من صراعات ومتغيّرات، وتُجنّبه عواصف حربية تلوح في أفقه، وتتهدّد حاضره ومستقبله.
البابا وكما نُقل عنه، رأى في الوضع اللبناني ما يدعو إلى القلق البالغ، وأنّ الرسالة التي يحملها، خلاصتها حَثّ الجميع على “إيجاد سبل للتخلّي عن استخدام السلاح كوسيلة لحلّ المشاكل”، وعلى “التكاتف والاحترام المتبادل والجلوس إلى طاولة الحوار، والعمل معاً لإيجاد حلول للمشاكل التي تؤثّر علينا”، ونُقِل عنه قوله “إنّنا نحتاج إلى تشجيع الجميع على السعي إلى السلام، لأنّ العنف غالباً ما يحدث نتيجةً للظّلم. لذلك على الجميع أن يعملوا معاً من أجل مزيد من الوحدة، واحترام جميع الناس وجميع الأديان”.
وتُعدّ زيارة البابا لاوون اعتباراً من يوم غد الأحد 30 تشرين الثاني 2026، والتي تتزامن مع وضع لبناني بالغ الحساسية، تتشابك فيه التعقيدات والصعوبات، هي الزيارة الرسمية الثالثة في سياق زيارات الباباوات إلى لبنان، وإذ سبقتها زيارة رسمية أولى في أيار من العام 1997، قام بها البابا يوحنا بولس الثاني، الذي أعطى فيها لبنان صفة الرسالة، وتلتها زيارة رسمية ثانية للبابا بنيديكتوس السادس عشر في أيلول من العام 2012، لتقديم الإرشاد الرسولي الخاص بمنطقة الشرق الأوسط، في ظل الأوضاع الصعبة التي كانت تشهدها المنطقة، وركّز على أهمّية الحوار بين الأديان والثقافات، وعلى أن يبقى لبنان نموذجاً للتعدّدية والتعايش في الشرق. وقد سبقت كل ذلك، زيارة رابعة، أو محطة قصيرة لنحو ساعة في مطار بيروت الدولي للبابا بولس السادس في كانون الأول من العام 1964.
ماكينة ضخ السموم
وفي انتظار أن يُعمل بهدي الرسالة البابوية وتفتح أمام لبنان طاقة، يبقى الوضع الداخلي، محشوراً في زاوية القلق، وهدفاً مباشراً للاعتداءات الإسرائيلية والتهديدات المتتالية باستهدافه، ولماكينة لا تقلّ خطورة تنفث في الأجواء سمومها في سياق الحرب النفسية التي تُشنّ على اللبنانيِّين والتهويل عليهم وإقلاقهم بسيناريوهات حرب واسعة تستهدف بلدهم، وباختلاقات تخويفية، على ما جرى مع زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى بيروت، التي يصرّ مَن هم خلف تلك الماكينة المسمومة، على إدراج هذه الزيارة في سياق نقل رسالة تهديد تُعزّز احتمالات التصعيد الإسرائيلي ضدّ لبنان.
إزاء هذا الأمر، يستغرب رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي كانت للوزير المصري محطة معه، ما تذهب إليه الماكينة في اختلاق روايات لم تحصل، ويؤكّد أنّ الوزير عبد العاطي لم يأتِ خلال المحادثات معه بأيّ كلام يُصنّف في سياق التهديد أو التصعيد، بل عبّر عن موقف بلاده التي تريد للحرب الإسرائيلية المستمرّة على لبنان أن تنتهي، وأكّد على دعم مصر للبنان ووقوفها إلى جانبه، وحرصها البالغ على أمنه واستقراره، واستعدادها القيام بكلّ ما يمكن أن يؤدّي لتحقيق ذلك.
جَوّ مشحون
وفي السياق نفسه، يؤكّد مسؤول رفيع لـ”الجمهوريّة”، أنّ مصدر التهديد الوحيد هو إسرائيل، التي لم تتوقف منذ إعلان اتفاق وقف الأعمال العدائية قبل سنة من الآن، عن توجيه الرسائل التصعيدية ضدّ لبنان بشكل يومي، وبصورة علنية لا تحتاج لأن تُنقل عبر وسطاء أو موفدين، سواء باعتداءاتها واغتيالاتها في مختلف المناطق اللبنانية، وآخرها في الضاحية الجنوبية، أو بالمناورات العسكرية التي تجريها وتحاكي فيها حرباً على لبنان، وتصاحبها تهديدات يطلقها المستويان السياسي والعسكري في إسرائيل بتوجيه ضربة إلى لبنان ما لم يُنزَع سلاح “حزب الله”.
ويلفت المسؤول عينه، إلى أنّ “ما تقوم به إسرائيل، من رفع لسقف التهديد والتصعيد، خصوصاً في الآونة الأخيرة، يُشكِّل من جهة غطاء لتجاهلها أو بمعنى أدق رفضها سلسلة المبادرات التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وآخرها مبادرة النقاط الخمس التي أطلقها عشية عيد الاستقلال، ويكشف من جهة ثانية هدفها الأساسي بإبقاء احتلالها قائماً للأراضي اللبنانية المحتلة قرب الحدود الجنوبية، وإخضاع لبنان إلى قواعد تفرضها في تلك المنطقة، فهذا ما تريده إسرائيل لا أكثر ولا أقل”.
على أنّ ما يُثير الاستغراب والاستهجان والريبة في آنٍ معاً، يُضيف المسؤول الرفيع، “هو تجنّد جهات سياسية وقنوات موالية لها في جبهة الضغط على لبنان واللبنانيِّين، عبر إشاعة أجواء تهويل وتخويف، والتبرّع بتحديد مواعيد للضربة الإسرائيلية للبنان، وتحديداً بعد زيارة البابا إلى لبنان، بالإضافة إلى تحديد الأماكن التي ستستهدفها إسرائيل في الضاحية الجنوبية وغيرها. وكأنّ هؤلاء يملكون “كلمة سرّ”، فما يقومون به يفترض أن يخضعهم إلى المساءلة: هل هو تحليل، أو تقدير، أو معلومات موحى بها من مكان ما؟ وقبل كل ذلك، أيّ مصلحة لهذه الجهات بهذا الضخ؟”.
المبادرة قائمة
وإذا كانت إسرائيل بالرسائل التصعيدية التي توجّهها إلى لبنان قد أصابت بصورة مباشرة مبادرة رئيس الجمهورية (مبادرة النقاط الخمس)، إذ باتت وكأنّها في حكم المعلّقة، إلّا أنّ مصدراً رسمياً أكّد لـ”الجمهورية” أنّ “مبادرة الرئيس الأخيرة ما زالت قائمة والكرة في ملعب إسرائيل”.
ولفت المصدر إلى أنّ مبادرة الرئيس عون “محاطة بإجماع داخلي عليها، وبموقف داخلي موحّد من قِبل كل الأطراف من دون استثناء، رافض للتصعيد والحرب، ومعزّزة بدعم دولي واسع لها باعتبارها تُشكّل فرصة لترسيخ الأمن والإستقرار سواء في منطقة جنوب الليطاني أو على مستوى كل لبنان”، وكشف في هذا السياق “أنّ الاتصالات جارية على أكثر من خط دولي، والأولوية لحشد دعم أكبر للمبادرة، وأنّ رئيس الجمهورية يبذل جهوداً مكثفة مع اتجاهات خارجية مختلفة، سعياً بالدرجة الأولى إلى ردع إسرائيل وإلزامها بوقف اعتداءاتها والإلتزام بمندرجات اتفاق وقف إطلاق النار والإنسحاب من الأراضي اللبنانية، وتمكين الجيش من إكمال انتشاره في منطقة جنوب الليطاني”.
شكوى ضدّ إسرائيل
وفيما واصلت إسرائيل اعتداءاتها في الجنوب، جرى الإعلان أمس عن أنّ وزارة الخارجية تقدّمت بشكوى إلى مجلس الأمن ضدّ إسرائيل لقيامها بانتهاك جديد وخطير لسيادة لبنان، يتمثل ببنائها جدارَين اسمنتيَّين عازلَين على شكل حرف (T) في جنوب غرب بلدة يارون وجنوب شرقها داخل الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً. وطالبت الشكوى بالتحرّك “العاجل لردع إسرائيل عن انتهاكاتها للسيادة اللبنانية، وإلزامها بإزالة الجدارَين، وبالانسحاب الفوري لجنوب الخط الأزرق من كافة المناطق التي لا تزال تحتلّها داخل لبنان، بما فيها المواقع الحدودية الخمسة، وبعدم فرض ما تُسمّيه مناطق عازلة داخل الأراضي اللبنانية، وباحترام موجباتها وفق قواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبإتاحة عودة المدنيِّين اللبنانيِّين إلى قراهم الحدودية”.
واللافت في مضمون الشكوى “تأكيد الحكومة اللبنانية استعدادها للدخول في مفاوضات مع إسرائيل لإزالة الاحتلال ووقف الإعتداءات”، وتأكيد “إلتزامها المضيّ قدماً بتنفيذ تعهّداتها لجهة تطبيق قرار مجلس الأمن 1701 كاملاً من دون اجتزاء أو انتقاء، كما وإعلان وقف الأعمال العدائية، بما يؤدّي إلى استعادة الدولة اللبنانية قرار السلم والحرب، وحصر السلاح بيَدها وبسط سيادتها على جميع أراضيها بواسطة قواها الذاتية حصراً”.
30011 مهمّة
إلى ذلك، أعلن قائد قطاع جنوب الليطاني في الجيش اللبناني، العميد نقولا تابت، “أنّ الجيش لا ينسّق مع أي طرف محلي في تنفيذ عملياته داخل منطقة جنوب الليطاني”، مؤكّداً أنّ التنسيق يتمّ حصرياً مع قيادة الجيش، وأنّه “لُمس صفر اعتراض” من قِبل الأهالي على المهام التي ينفّذها الجيش في المنطقة. وأشار العميد تابت إلى أنّ الجيش نفّذ حتى اليوم 30011 مهمّة في منطقة جنوب الليطاني، وهو منتشـر حاليًا في 200 مركز على الحدود.
جاء ذلك، خلال جولة للإعلاميِّين في جنوب الليطاني، فعرض الجيش حصيلة من الأعمال الميدانية، موضّحاً أنّه عالج 177 نفقاً منذ بدء تطبيق خطة “درع الوطن” لحصرية السلاح، وأغلق 11 معبراً على مجرى نهر الليطاني، وضبط 566 راجمة صواريخ. كما أشار الجيش خلال الجولة إلى أنّ الجيش الإسرائيلي نفّذ خرقاً للخط الأخضر (خط الهدنة) في بلدة رميش بمساحة تُقدّر بنحو 2000 متر مربّع تقريباً.
برّاك.. موقف جديد
وفي موقف جديد له، أعلن السفير الأميركي توم برّاك لصحيفة “نيويورك تايمز” أنّ الجيش اللبناني يواجه صعوبات كبيرة في نزع سلاح “حزب الله”، وذلك بسبب نقص التمويل وانخفاض رواتب عناصره.
وأعرب برّاك عن شكوكه في قدرة الجيش اللبناني على تحقيق هدفه المعلن المتمثل في نزع السلاح بنهاية هذا العام. وأضاف: “لا توجد بدائل لهذا المسار من حيث استقرار الوضع في لبنان نفسه، وعلى حدوده مع إسرائيل”.
إعلام سعودي
إلى ذلك، كان لافتاً في الساعات الأخيرة ما أوردته “صحيفة” الرياض السعودية، إذ أكّدت “أنّ الإعتداءات الإسرائيلية على لبنان تتصاعد بوتيرة، تكشف أنّ تل أبيب لا تتحرّك في إطار ردود أمنية ظرفية، بل وفق استراتيجية عدائية تهدف إلى استنزاف لبنان وإرباك توازنه الداخلي، وخلق واقع ميداني متوتّر يدفع المنطقة بأكملها نحو حالة دائمة من عدم الإستقرار”.
وأشارت إلى “أنّ القصف المتكرّر على القرى الجنوبية، واستهداف البنى المدنية، وتوسيع نطاق الضربات، كلّها مؤشرات إلى أنّ إسرائيل اختارت تحويل الحدود ورقة ضغط سياسي، بعيداً من أي التزام فعلي بالقرارات الدولية أو أحكام الخط الأزرق. وبهذه المعادلة، يُصبح لبنان أمام واقع بالغ التعقيد؛ دولة تُستهدَف بشكل متكرّر، وقوّة احتلال لا تُريد التهدئة، ومحاولات إسرائيلية لهندسة خرائط المنطقة بالنار بدلاً عن السياسة”.
وخلصت الصحيفة إلى أنّه “في ظل الأوضاع الصعبة التي يمرّ فيها لبنان، يُعلّق اللبنانيّون الكثير من الآمال على الزيارة التي سيقوم بها البابا لاوون إلى بلدهم، متمنِّين أن تكون محطة تنقلهم إلى مرحلة جديدة، بعيدةً من الحروب المستمرّة ومختلف الأزمات التي لا تنتهي”.





































