كتبت صحيفة “الجمهورية”: ارتفاع وتيرة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، حشر المنطقة برمّتها في زاوية الترقّب والرصد لاتجاهات الرياح الحربية بين الجانبَين، في ظل تقديرات تشبّه التدهور الأخير – مع ما يرافقه من توسيع لمساحة الاستهدافات ونوعيّتها، ومن استعدادات متقابلة، وتهديدات متبادلة باعتماد أساليب مواجهة مختلفة وقدرات ونوعيات جديدة وحاسمة، تقلب الميزان الحربي القائم بصورة جذرية – بالرقص على حافة إعصار حربي، من الصعب تقدير أو تحديد نطاقه وامتداداته وتداعياته. وأمّا على المقلب اللبناني، فالمشهد نفسه يتكرّر، بل هو مضبوط منذ إعلان وقف إطلاق النار، على تفلّت إسرائيلي من الاتفاقات والتفاهمات، واعتداءات مكثفة بصورة يومية، تكمّل من خلالها جريمة الدمار الشامل التي ترتكبها في كل قرى وبلدات الجنوب.
الحكومة إلى الحلبة
محلياً، يتركّز التحضير الرسمي لحدثَين، الأول، المؤتمر التحضيري لدعم الجيش المقرَّر في باريس في 17 أيلول الجاري، حيث سيشارك فيه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وملك الأردن عبد الله الثاني. والثاني، اجتماع الدورة العادية للأمم المتحدة في نيويورك، التي سيرأس رئيس الحكومة نواف سلام وفد لبنان إليها. وعلى المقلب السياسي الموازي، جمود كامل على خط المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. ويبدو أنّ الحديث عن موعد لجولة جديدة في روما قد أُخرج من التداول آنياً، ورُحّل إلى ما بعد انعقاد مؤتمر باريس.
وربطاً بذلك، أشار متحدّث باسم الخارجية الأميركية، إلى أنّ “الجانبَين اللبناني والإسرائيلي لا يزالان منخرطَين في حوار بنّاء، ومن المقرَّر عقد الجولة المقبلة من المحادثات في روما قريباً، تماشياً مع الخطط الموضوعة منذ أسابيع، بالتزامن مع استمرار النقاشات في بيروت والقدس وواشنطن خلال هذه الفترة”.
المشهد السياسي الداخلي مقبل الأسبوع المقبل على اهتزاز أكيد، مع إنزال الحكومة إلى الحلبة، في جلسة مناقشة عامة لسياستها وأدائها، تُعقد على مدى يومَي الثلاثاء والأربعاء المقبلَين. وسبق ذلك، حراك غاضب للعسكريّين المتقاعدين في البقاع وبيروت الذي زامن بالأمس، استئناف الحكومة دراسة مشروع قانون موازنة العام 2027، الذي لا يبدو أنّ طريقه خالٍ من العقبات والتعقيدات، وجّه إنذاراً بتصعيد أكبر للتحركات والاحتجاجات، ما لم يتمّ إنصافهم وإعطاؤهم حقوقهم.
والبارز في هذا السياق، إعلان رئيس الجمهورية جوزاف عون وقوفه إلى جانب العسكريّين وحقوقهم، المتقاعدون منهم ومَن لا يزالون في الخدمة الفعلية، لأنّ التضحيات التي يبذلها الجيش والقوى الأمنية لا تنحصر بزمان معيَّن. داعياً إلى التوفيق قدر الإمكان بين قدرات الدولة وإمكاناتها من جهة، وبين حقوق العسكريّين من جهة أخرى، والعمل على تحقيق ما يمكن من المطالب، مع الحفاظ على التوازن المالي والخطوات التي تتخذها الحكومة لاستعادة النهوض المالي والاقتصادي.
وكما هو معلوم، فإنّ موعد جلسة المناقشة العامة للحكومة، حدَّده رئيس مجلس النواب نبيه بري استجابة لمطالب جهات نيابية متعدّدة. ووفق معلومات موثوقة لـ”الجمهورية”، فإنّ “محاولات قامت بها الجهات لصرف النظر عن انعقاد مثل هذه الجلسة في هذا التوقيت بالذات، لأنّها قد تتحوَّل إلى بازار من المزايدات التي قد تخرج عن السيطرة”.
فالأجواء السابقة لجلسة المناقشة التي تنعقد للمرّة الأولى من نوعها منذ سنوات، قد لا تكون مريحة للحكومة، حيث ينذر الافتراق السياسي الحاد بين بعض المكوّنات الداخلية، بمجريات وأجواء عاصفة سياسياً. ووفق نواب معارضين، فإنّ “جلسة المناقشة فرصة لجلد الحكومة لإخفاقاتها السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والكهربائية، وتقصيرها في المجال المعيشي والاجتماعي، وفشلها في الإيفاء بالحدّ الأدنى ممّا تعهّدت به في بيانها الوزاري. وتوعّد بعض هؤلاء المعارضين بمواجهة الحكومة ورئيسها تحديداً وبعض وزرائها، بمداخلات نارية”. وأمّا على الضفة المقابلة، فيؤكّد النواب المتحمّسون للحكومة، أنّهم سيكونون في خندق الدفاع عنها، ومواجهة ما قد يصدر ضدّها من تهجمات وافتراءات. ولم يستبعدوا احتمال أن يبادر بعض هؤلاء النواب إلى هجوم معاكس على المتحاملين على الحكومة، عبر طرح الثقة بالحكومة، لأنّه وفق قناعة المتحمّسين، أنّ “الحكومة ستنال ثقة متجددة”.
دليل جديد
على المقلب الأمني، يبدو جلياً أنّ التطوُّرات العسكرية تتدحرج بصورة خطيرة على جبهة إيران، التي عاشت في الساعات الأخيرة جولة عنيفة من القصف والاستهدافات البرية والبحرية، وكذلك هو التدحرج على جبهة الجنوب اللبناني، في ظلّ الوتيرة العالية من التصعيد الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، وكثافة الاستهدفات بالغارات الجوية والقصف، والعودة إلى أسلوب الاغتيالات بالمسيّرات المسلحة، على غرار ما كان سارياً في مرحلة ما قبل الثاني من آذار الماضي. إلّا أنّ اللافت للانتباه في الساعات الأخيرة، ما صدر عن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من جبل الشيخ، عن “أنّ إسرائيل لن تسمح لأي جيش بالتمركز على حدودها”، وهو الأمر الذي اعتبره مرجع سياسي، رداً على سؤال لـ”الجمهورية”: “دليلاً جديداً يقدّمه نتنياهو على أنّ إسرائيل لا تلتزم بأي تعهّدات أو اتفاقات مع أي جهة كان، سواء مع سوريا أو مع لبنان، بالتالي لا تريد انتشار الجيش اللبناني في المنطقة الجنوبية حتى الحدود الدولية. وهذا الأمر برسم الراعي الأميركي للمفاوضات وصيغة الإطار، الذي يقول إنّه يسعى لإنجاحها وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني”.
مخاوف من هجوم
على أنّ هذا التصعيد المتصاعد، وما يرافقه من تركيز بالعدوان والاستهدافات بصورة خاصة على منطقة النبطية، يعزّزان، وفق تقدير عسكري، “الخشية ممّا يجري بثه من تسريبات عبر الإعلام العبري، نقلاً عن مصادر أمنية، تتحدّث عن نقاشات يجريها المستويان السياسي والأمني في إسرائيل، بعد حسم السيطرة على مرتفع علي الطاهر، حول خطط هجومية للجيش الإسرائيلي، لتوسيع نطاق المناطق التي يحتلها في الجنوب. وتضع النبطية كهدف لهجوم محتمل”.
وبحسب ما أبلغ مصدر أمني رفيع إلى “الجمهورية”، فإنّ “مسار الانتخابات في إسرائيل المقرّرة أواخر تشرين الأول المقبل، مزدحم بالاحتمالات التصعيدية في أي لحظة”.
وعبَّر المصدر الأمني الرفيع عن قلق جدّي ممّا سمّاها “معزّزات غير مباشرة لاحتمالات التصعيد”، عبر إشارات مخادعة صدرت من الجانب الإسرائيلي، قد يكون القصد منها توجيه الأنظار في اتجاه ما، وحرفها عن هدف حقيقي مخطط له في الخفاء، ومن هذه الإشارات، أولاً، الإفراج عن 5 أسرى، من دون أن يكون لهذا الأمر أي مقدّمات أو ممهّدات. وثانياً، إعلان الجيش الإسرائيلي أنّه يدرس تخفيض قواته العاملة في جنوب لبنان. وثالثاً، التسريب من قِبل مصادر أمنية حول عزم الجيش الإسرائيلي، على تنفيذ إعادة انتشار في المناطق التي يحتلها، عبر تقليص مدى المنطقة الصفراء، وإقامة ما سُمّيت المنطقة الرمادية، مع استحداث نقاط فيها للجيش الإسرائيلي تشكّل منطلقات دفاعية وهجومية.
وما يعزّز من هذا المنحى التصعيدي، في رأي المصدر الأمني الرفيع، “هو التركيز الملحوظ في الآونة الأخيرة، من قِبل المستويات الأمنية والسياسية والإعلامية في إسرائيل، على ما سمّوها نشاطات استخبارية مكثفة يجريها “حزب الله” تمهيداً لهجومات لاحقة، بالإضافة إلى التركيز على ما سمّوها تهديدات ومخاطر محتملة من قِبل “حزب الله” على إسرائيل في فترة الأعياد العبرية (بين أواخر أيلول وتشرين الأول) ولاسيما عيد الغفران، ما يفترض اتخاذ إجراءات احترازية من أي استهدافات قد يبادر إليها “حزب الله” خلال الأعياد”. ويضيف: “هذا التركيز لا ينبغي إغفاله، إذ قد يكون مستبطناً إشارة غير مباشرة إلى عمل عدواني محضّر، تحت مسمّى الهجوم الاستباقي”.
اجتماع أمني
هذه التطوُّرات، كانت محور اجتماع أمني في القصر الجمهوري، خُصِّص للبحث في الأوضاع الأمنية في الجنوب عموماً وفي منطقة النبطية خصوصاً، دعا إليه رئيس الجمهورية وحضره قائد الجيش، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي، والمدير العام للأمن العام، المدير العام لأمن الدولة، المدير العام للدفاع المدني، مدير المخابرات، رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، رئيس مكتب شؤون المعلومات في الأمن العام، ونائب مدير عام أمن الدولة.
وفي الاجتماع، عرض القادة الأمنيّون تقارير مفصّلة عن الوضع في المنطقة من مختلف جوانبه. وشدّد الرئيس عون على أنّ أي فراغ أمني في الجنوب يشكّل ذريعة للاعتداءات ومساساً بالسيادة الوطنية، معتبراً أنّ الانتشار الأمني في النبطية متصل بالتزامات الدولة اللبنانية وموقعها التفاوضي في الملف مع إسرائيل، باعتبار أنّ ضبط الأمن الداخلي يعزّز الموقف اللبناني الرسمي.
وجدّد الرئيس عون التأكيد على دور الجيش، الذي يشكّل العمود الفقري للاستقرار في المنطقة، وأنّ عمله يتناغم ويتكامل مع عمل الأجهزة الأمنية الأخرى، منوّهاً بدوره في حماية البنى التحتية والطرقات الحيوية وتأمين عودة الأهالي إلى بلداتهم. وأكّد الرئيس عون على أهمّية التنسيق الدائم بين الأمن العام وأمن الدولة وقوى الأمن الداخلي والدفاع المدني، لتفادي ازدواجية الجهد وتقاطع الصلاحيات، مع أهمّية التقييم الدوري للواقع الراهن، داعياً الأجهزة الأمنية إلى تحمّل مسؤولياتها، مؤكّداً أنّ أمن النبطية والمناطق غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، جزء لا يتجزّأ من أمن لبنان الواحد.
وكان الرئيس عون، قد بحث مع رئيس الحكومة نواف سلام نهاراً، الأوضاع الراهنة في البلاد عموماً وفي الجنوب خصوصاً، في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على عدد من البلدات والقرى الجنوبية. وتطرَّق البحث إلى “الإجراءات التي يتخذها الجيش لتعزيز انتشاره في القرى غير المحتلة لطمأنة المواطنين وعودة العمل في الإدارات الرسمية”.
وأكّد الرئيس عون أمام وفد “حركة لبنان الشباب” أنّ “لبنان هو لجميع أبنائه كما هو عَلَمه الذي يتفيأه اللبنانيّون جميعاً، وهويّته التي يحملونها، مشدّداً على ضرورة أن يكون الولاء له حصراً وليس للخارج الذي يستقوي به البعض ضدّ إخوتهم في الداخل”.
ولفت الرئيس عون إلى أنّه منذ حرب العام 1975، لم يكن من رابح بين اللبنانيّين، بل إنّ الجميع كان خاسراً. مشدّداً على ضرورة تغليب المصلحة العامة على ما عداها من مصالح شخصية وفئوية، ومعيداً التأكيد على حجم المسؤولية المشتركة في الحفاظ على البلد، “ذلك أنّ لكل منا، ومن موقعه، مسؤوليّته ودوره. فلنعمِّم هذه الثقافة بين المواطنين، لأنّ خيارنا الوحيد هو التكلّم بلغة المصلحة اللبنانية التي تحمينا جميعاً بعيداً من الاصطفافات مع الخارج”.
وأضاف رئيس الجمهورية: “خيارنا كان بالتفاوض مع إسرائيل من منطلق أنّ لبنان هو دولة ذات سيادة، وسيادة القرار هي من ضمن مفهومنا للسيادة، ونرفض أن يفرض أحد من الخارج قرارنا علينا. وكان قرارنا بذلك من منطلق المصلحة الوطنية وحماية لبنان. فلا أحد يدرك مصلحته إلّا أبناؤه، لأنّ الخارج ينظر إليه من منطلق مصلحته فيه”. وتابع: “لقد توصّلنا إلى “صيغة الإطار”، وهدفنا وقف الحرب وإعادة النازحين إلى قراهم وإنهاء حالة العداء نهائياً مع إسرائيل”.
وأوضح: “لقد علّق كثر على الموقف الذي أطلقته من اليونان المتعلّق بإنهاء حالة العداء، وهذه الكلمة ليست بجديدة، وقد قلتها علناً مراراً، فماذا يريدون؟ هل يريدون أن نبقى في حالة حرب، وهل يمكن أن نتحمَّل حرباً بعد؟ إنّ كل تفسير لموقفي غير ذلك خاطئ ومشبوه. إنّنا مستمرّون في مسارنا لأنّه يشكّل قناعتنا لحماية البلد وإخراجه من سلسلة الحروب التي شُنَّت منذ العام 1969 إلى اليوم. فما حدث في العام 1969 كان بسبب تخلّي الدولة عن سيادتها، وقد وصلنا بفعل ذلك إلى الوضع الذي نحن عليه اليوم. فلن نعود إلى الزمن السابق، وسنكمل الطريق”.





































