بقلم ابنتي الرّوحيّة”أسيل درويش”: رماد حياة

تحرير الأستاذة"ملاك درويش".. صوت لبنان الاغترابيّ🇱🇧

157

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

above post content 700×90

 

“أحبّها” صراخ المريض أبو علي ملأ الطّابق قبل إعطائه مهدئًا واطمئنانًا على وضعه بعد تعرّضه إلى جلطة يوم الأحد، فبات جثة حيّة تصارع شريط الحياة و هي نائمة، فعلى سريره خامدٌ  مرتعبٌ من ذكريات تعشوشب في الماضي الهجين: أستذكر العالم الّدي أراد فلذة كبدي قتيلة و هي على قيد الحياة، شبح من ذكريات صغيرتي يطارد سكينتي دائما!
كانت في عنفوان شبابها، ولدت زهرة زاهية بين ستّة شباب، فمن صادفها سحرته بطلّتهت البهيّة و من عاشرها لامس معدنها الطيّب، أمّا الأقرباء و الجيران كانوا يحسدوني على تربية ابنتي “حياة” ذات الأخلاق الحسنة.
و لكن تلك الزّهرة اقتطفها شاب أحبّها و تقدم لخطبتها، عندئذٍ رفضت بسبب وصعه الاجتماعيّ و لكونه من عشيرة أخرى، تلك العشيرة التي قتلت إبن أخي “محسن”، فإن الثّأر أكل أيّامنا الجميلة، أيّام أتمنّى الرّجوع إليها لأصحّح ما اقترفته من ذنب، فإنّي  أذكر أنّ حياة ظلّت تبكي حينها بعد الضّرب المبرح من ابني البكر”علي” لأنّها اعترضت على قراري.
في ذلك الوقت، كنت  عبد العادات و التقاليد الموروثة عن أجدادي و كنت خائفا من ألسنة النّاس السّليطة الّتي لا ترحم، نسيت أنّي أب وحبي الكبير لحياة ، و مازلت حتى الأن غارقًا في دوّامة  “الفتاة شرف و عرض و قد تعيب أهلها” من جهة، و  “ستحصد ما ربيت” من جهة أخرى كأنّ قلبي يحاسب عقلي على أخطائه.
و ها هي اللّحظات تكسوني بالأنبهار يوم صحونا على صراخ زوجتي قائلة بأنّها لم تجد حياة، يوم ذاك صوت غضب العشيرة هزّ المكان بعدما وجدنا رسالة بجانب سريرها “أبي أحبّك جدًّا ولكن أنت من اعترضت طريقي و دمّرت حبّي”، بدأنا البحث عنها متوعدين بقتلها لغسل عار العائلة.
و سارت بي الأيّام و جلسة الخجل  لا تفارقني، فما موقفي أمام من حسدني على تربيتي؟! ،  كنت أنتظر  لقاء “حياة” بفارغ الصّبر كأنّي عاشق اشتعل بنيران الاشتياق لمحبوبه، و أتت اللّحظة الشّنيعة يوم وجدنا حياة عند الشّيخ لعقد القران و جلبتها مربّطة” كذبيحة” سيتمّ ذبحها بعد قليل.
“يا عديمة الشّرف، يا ساقطة” هكذا كنت أصرخ و أنا أضربها ضربا مبرحًا و هي تحت قدمي تصرخ “توقّفوا أرجوكم”، فصرخات “الأه” وصلت لسابع سماء ، أمّا الدّم فقد التهم ألوان ثيابها ليكتب فصلا جديدا في الحكاية و بدأت حياة تغيب…
-طبيب مصطفى! المريض أبو علي يتحرّك!
-أبو علي! أبوعلي!
أرى شعلة نور ووجه ابنتي  حياة غاضبا، و دموع قد استقرّت
عَلَى خَدَّيْهَا وَسَط ظَلَام ذكرياتي مُسْتَيْقِظًا عَلَى صَوْتٍ الطَّبِيب ،
-حالتك الصِّحِّيَّة مُسْتَقِرَّةٌ و ستخرج بَعْدَ قَلِيلٍ .
كُنْت أَظُنُّ أَنَّه بَعُدَ خُرُوجِي سَأَرَى ابْنَتِي و أَضُمُّهَا و كَيْف لِي أَلا أَضُمّ صغيرتي، فَعَهْد عليّ عِنْدَمَا اِسْتَرْجَع صحّتي كَامِلَة سأزرع البسمة عَلَى خَدَّيْهَا و بَعْدَ مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ اصطحبني ابني إلَى الْمَنْزِلِ .
-علي ! أُخْتَك بِحَالِه جَيِّدَة ؟
تلهث قَائِلًا  وعَلَامَات التَّوَتُّر تَنَاثَرَت عَلَى وَجْهِهِ : ” أَنْت تَحْتَاج إلى الرّعاية ، دَعْك مِنْ حَيَاةِ الْآن . ”
-أين هِي ؟
-في مَكَان بَعِيدٍ يَلِيق بِأَمْثَالِهَا، و الْخَبَر السَّعِيد أَنَّنَا غسلنا الْعَار يَا أُبَيّ .
أُطْفِأ جَوَابِه شُعْلَةٌ الْأَمَان والْآمَال فِي دَاخِلِيّ فَحَيَاة مَاتَت ، لَقَد قَتَلْت ابْنَتِي ، قَتَلْت صغيرتي الَّتِي كَانَتْ تَدْعُو لِي بِالصِّحَّةِ وَ طُولُ الْعُمُرِ، وأَنَا مِنْ سَلَبَت مِنْهَا أَيَّامِهَا ؟ ! تِلْك الطِّفْلَة الَّتِي رسمتِ الْفَرْحَة و السُّرُورِ عَلَى جُدْرَان الْمَنْزِل ، و أَنَا مِنْ اعْتَرَضَت سعادتها ؟ !
تِلْك الشَّابَّة الَّتِي كَانَتْ تعدّ أخوتهت السَّنَد والظُّهْر الْقَوِيّ  وَهُمْ مِنْ أَجْمَعُوا عَلَى ضريها بحضوري ؟ ! أوكيف لِي أَنْ أَحْرَق قَلْب أَم صَلَّت لِأَجْلِهَا ؟ ! كَيْف تَحَوَّلَت لِذَاك النّاقم ذي النّيتب الْقَاتِلَة لِأَجْل الْعَادَات ؟! فَكَيْفَ لِي أَنْ أَقْتُلَ فِلْذَة كَبِدِي ؟ ! أكلتني الصَّدْمَة ، فابنتي غادرت و تُرِكَتْ فِي دَاخِلِيّ  وقَلْبِي غُصَّة تَنْهَش أَيَّام عُمْرِي لَأَصْبَح كورقة الْخَرِيف الذَّابِلَة بَعْدَ رَحِيلِهَا .

و لَم يُبْقَِ لِي سِوَى قَبْرٌ دُفِنَت فِيه ضَحِيَّة تَخَلَّف الشَّرَف ، آه كَم أَنَا مُشْتَاق إليها! و كَم كُنْت أَوَدّ أَن أَرَاهَا و هِي عَرُوسٌ  لَا  تُشْبِهُ أَحَدًا بفستانها الْأَبْيَض الطَّوِيل ، أَمَّا أَنَا فَلَقَد جَعَلْتهَا تَرْقُد بقبرها الْمُظْلِم فصغيرتي تَخَافُ مِنْ الظَّلَام و الْوَحْدَة ! أَشْعَر بِحَرِيق النَّدَم مُشْتَعِل في صدري ! كَم أَوَدّ أَنْ أَشَمَّ تُرَاب قَبْرِهَا خَجَلا . . .

و لَكِنْ يَا أُبَيّ حَيَاةٌ لَمْ تُدْفَنْ فَلَقَد أحرفنا جُثَّتِهَا لتغدو فُتَات رَمَاد ، فالقبر للشّرفاء  و هِي دَنِسَت الشّرف..

Français