Les actualités les plus importantes et les plus récentes du monde en français

حين يتحوّل الانقسام إلى سردية وطن في مربط الفرس

Screenshot

نور علي زريق – في بلد يتخبط تحت أزماتٍ متتالية ، ما عاد الواقع مجرد تسلسلٍ للأحداث بل حالة عنفٍ  يتجدّد مع كل عدوانٍ يمتد جنوباً ، بقاعاً إلى الضاحية الجنوبية. ممّا وضَعَ العناصر المدنيًة تنتَقل من جزء في المشهد إلى تَفصيل ذو أهمّيّة ، ضُمن الخسارات المباشرة .

من هنا ، تبدو الحرب امتدادًا لزمنٍ طويل متصاعد ، يَحمل الدمار بوجوهٍ مختلفة، بينما تبقى الأرض نفسها لإعادة فرض الواقع بالقوة. ومع كل ضربة لا يُقاس الخراب بما يهُدم بل بما نُزع من حياةٍ كانت تحاول الاستمرار.

في سياق متصل ، تقدّم خطابٌ سعى إلى إعادة ترتيب التشظّي داخل سردياتٍ واسعة ، تُقرأ فيها الوقائع كجزءٍ من صراعات تتجاوز الحدود ، وتُعاد صياغة الألم ضمن تفسيراتٍ سياسية أو استراتيجية. غير أنّ ما لا يتبدّل هو حضور الإنسان في لحظة العجز الأولى ،ككائن يواجه الخسارة دون وسيط و لا مسافةٍ تضمن حمايته من التّماس المباشر.

في خضم هذا  التوتر، يتقاطع ضجيج الحرب مع ضباب التضليل الإعلامي وتتصاعد موجات التحريض يقابلها صمتٌ لافت لوجوه فنية وإعلامية في لبنان، فيولد “مربط الفرس” كعملٍ يخرج عن منطق التعليق إلى منطق المواجهة المباشرة مع الواقع .

قدّم الكاتب والمخرج محمد دايخ هذا العمل الى جانب كل من حسين قاووق ، حسين دايخ و محمد عبدو ، اما الانتاج فتولاه علي اللمع  عبر منصة يوتيوب كمحاولة لالتقاط صورة اقرب الى نبض الشارع بعيدًا عن التهويل و التبسيط .

لم يقدم العمل نفسه كخطابٍ مكتمل ، بل كمساحة مواجهة مفتوحة طرحت أسئلة باشكالٍ مختلفة ” شديدة اللهجة ، دون تراتبيّة ، تحمل التناقض ” ، عبر حلقات ثلاث متتالية ، تدرّجت من الخاص إلى العام، ومن التجربة الفردية إلى الانقسام البنيوي كاشفًا طبقاتٍ من جراح تمدّدت ، فلم تعد السياسة وحدها قادرة على تفسيرها .

وعليه ما جاء في الحلقات الثلاثة :

في الحلقة الأولى، الحوار تصادم بين ذاكرتين لبلدٍ واحد، حيث يتحوّل النزوح إلى اختبارٍ مباشر لمعنى الأرض والكرامة. يُقدَّم “النازح” ليس كحالة إغاثية أو رقمٍ في مشهد الحرب، بل كإنسانٍ فقد بيته وزرعه واستقراره، من دون أن يفقد عزة النفس ، في مواجهة واقعٍ يطلب منه أن يُختزل في الحاجة بدل أن يُعترف بتجربته. وفي هذا الإطار، تتقدّم فكرة المقاومة كفعل وجود مرتبط بالأرض؛ فتُنزع عنها صفة “التبعية” لتُقرأ كغريزة بقاء تبدأ من حماية البيت والقرية ، وصولًا إلى انّ الاستعانة بأي قوة في مواجهة “الخطر” ليست إلا وسيلة ضمن معركة الدفاع عن الذات. وعلى المستوى الرمزي، تتحوّل الجغرافيا إلى ذاكرةٍ موجعة، حيث لا تأتي التعبيرات المحلية مثل “عزا بحنونه” كزينة لغوية، بل كلغة وجعٍ لا تمرّ عبر الإعلام ولا تُفهم من خارج الأرض التي أنتجتها. وفي المقابل، يكشف العمل عن اهتزازٍ في نظرة “الآخر المستكين”، الذي لم يعد يرى النازح امتدادًا طبيعيًا للمجتمع، بل عبئًا أو موضع ريبة، ما يفضح خللًا أعمق في البوصلة الإنسانية داخل لحظة الحرب. وهكذا، تضع الحلقة سؤالها الجوهري حول ما إذا كان الخطر محصورًا في الخارج فقط، أم يمتد إلى الداخل حين يفقد المجتمع قدرته على الاحتضان

في الحلقة الثانية، ينتقل “مربط الفرس” لمواجهةٍ أكثر حدّة، تكشف فلسفة الصراع في عمقها الوجودي، فلا يعود الحديث عن الحرب نقاشًا سياسيًا قابلًا للتأويل، بل اختبارًا مباشرًا لمعنى الانتماء وحدود الحياد. في هذا السياق، يُطرح سؤال الجغرافيا لا كقدرٍ جغرافي محايد، بل كعاملٍ يصوغ شكل الوعي والمصير، بحيث لا تبدو المقاومة خيارًا أيديولوجيًا أو انتماءً مغلقًا، بل نتيجة طبيعية لواقع يعيش التهديد باستمرار ما يجعلها أقرب إلى “شرف المكان” منها إلى قرارٍ قابل للتراجع. وفي المقابل، يفكك العمل منطق “الحياد” أو ما يُسمّى بالابتعاد عن المواجهة تحت شعار الاستقرار والحياة الهادئة، كاشفًا هشاشته حين يُختبر أمام فكرة الأرض نفسها، إذ يتحوّل هذا الخطاب من واقعية سياسية إلى سؤال عن الانتماء حين يصبح قبول واقع القتل أو التعايش معه بديلًا عن المواجهة. وتبلغ الفكرة ذروتها في مثال “سيمون”، الذي يُستخدم كاختزال حادّ لفكرة الاحتلال والعدو، حيث يُطرح السؤال بشكل مباشر: هل يمكن بناء حياة طبيعية مع من اغتصب البيت وقتل صاحبه؟ من هنا، لا تقدّم الحلقة إجابات بقدر ما تضع المتلقي أمام مفترق قاسٍ بين تعريفين متناقضين للحياة: حياة تُقاس بالأمان الظاهري ولو على حساب الكرامة، وحياة تُبنى على رفض المساومة مع الفقد القصري !

اما في الحلقة الثالثة، تُنزع عن الدولة طبقاتها الرمزية لتظهر كسلطةٍ تتقدّم في الخطاب وتتراجع في الفعل، تتحوّل السيادة إلى واجهةٍ شكلية لا تقابلها حماية فعلية . فالحضور الرسمي يبدو صارمًا في ضبط التفاصيل اليومية وملاحقة المواطنين، فيما يغيب بالكامل عند حدود الخطر الحقيقي، سواء أمام الاعتداءات أو في لحظات الحاجة إلى حماية وجودية، ما يكشف انفصالًا عميقًا بين فكرة الدولة وممارستها الفعلية.

هنا ، لا يعود السؤال حول الدولة إداريًا بل وجوديًا: سلطةٌ تُتقن مساءلة الأفراد على تفاصيلهم المعيشية، لكنها تتعثر عند تعريف وظيفتها الأساسية كجهة حماية. ويزداد هذا التناقض حدّة حين يتجاور خطاب سيادي مرتفع النبرة داخل الحدود مع عجزٍ واضح أمام القوى الخارجية، فتتآكل صورة “المرجعية الحامية” لصالح سلطة تُمارس فوق المواطن أكثر مما تُمارس من أجله.

ومن داخل هذا الفراغ، تتقدّم المقاومة كأثرٍ مباشر لانكشاف بنية الحماية لا كخيارٍ نظري، حيث يصبح حمل السلاح نتيجةً لغياب وظيفة الدولة الأساسية لا نقاشًا قانونيًا مجردًا. عندها، لا يُطرح الفعل كاستثناء، بل كعلامة على خللٍ أعمق في توزيع الأدوار بين من يُفترض أن يحمي ومن يُفترض أن يُحمى.

في المحصلة، “مربط الفرس” لا يُقدّم كعملٍ يبحث عن إجاباتٍ بقدر ما يفتح جرح الأسئلة ، واضعًا المشاهد أمام واقعٍ متشظٍ تتداخل فيه الحرب بالذاكرة، والسياسة باليوميّ، والانتماء بالخوف. عبر ثلاث حلقات متصاعدة المحتوى ، فيُكشف أن الأزمة ليست في اختلاف الروايات فحسب، بل في غياب مساحةٍ مشتركة يمكن أن تُبنى عليها رواية موحّدة .

بين أرضٍ تُفهم كقدر، ودولةٍ تتأرجح بين الحضور والغياب ، ومجتمعٍ تتآكله الشكوك والانقسامات، يتشكّل سؤالٌ أكبر من كل التفاصيل: كيف يُعرّف “الوطن” حين تتعدد المعاني و تنفي بعضها الآخر بتضارب شاسع ؟!

ختاما ، يبرز محمد دايخ كصوتٍ صادم خرج عن المألوف، ما اكتفى بصناعة عمل درامي، بل تقدّم إلى موقع المواجهة، رافضًا تلميع الواقع أو الاختباء خلف لغةٍ منمّقة. إلى جانبه، يعمل فريق متناغم لا يستثمر في المنطقة الرمادية، بل يقتحم أكثر المساحات حساسية، مسلّحًا بما يمكن تسميته “شجاعة أخلاقية” في مقاربة موضوعٍ من أكثر مواضيع البلد اشتعالًا. عبر إخراج بنّاء على الحوار المكثّف والمواجهة المباشرة، وبأداء تمثيلي من كلّ من فريق العمل. ما عاد الهدف ترفيهيًا، بل تجاوز ذلك إلى محاولة صريحة لتسمية الأشياء كما هي، حتى لو استدعى ذلك لغةً حادّة أو صادمة، تتحوّل فيها الكلمة إلى موقف، والمشهد إلى وثيقة . في هذا السياق، يستعيد العمل وظيفة الفن الأساسية ألا و أن يكون الصوت عالياً في زمن الصمت ، فلا يهادن ولا يساوم !