نور علي زريق – في حلقة بدت وكأنها خروج عن النص الكامل جلس المخرج و الموسيقي جاد شويري في مواجهة الاعلامية رابعة الزيات ضمن برنامج وبعدين لا ليضيف تصريحاً إلى أرشيفه، بل ليهدم أرشيفاً كاملاً ويبدأ من الصفر ، اذ لم يكن الحوار “نارياً ” بقدر ما كان عملية تفكيك علنية لصورة صُنعت على مدى سنوات ثم قُرّر في ليلة وضحاها وضعها موضع الشك.
انطلاقاً من هنا ، جاء اعترافه ب”غسيل الدماغ ” واضحاً ومباشراً كإعلان خروج من مرحلة سابقة أكثر منه محاولة تبرير لها اذ تحدث عن بيئة نشأ فيها وعن روايات تبنّاها كما هي قبل أن يبدأ بمراجعتها. لم يقدّم نفسه كمن اكتشف الحقيقة، بل كمن قرر إعادة النظر بما كان يعتقده، تاركاً خلفه سؤالاً موازياً: كم من القناعات تُبنى دون مساءلة ؟
على خطٍّ موازٍ، لم يترك مساحة للرمادي ، بحيث ان موقفه من إسرائيل والولايات المتحدة جاء بصيغة حاسمة وخالية من أي محاولة للتخفيف أو التوازن الدبلوماسي. ما يلفت في هذا التحوّل أن اللغة هنا لم تعد تفصيلاً، بل أداة صدام تعكس انتقاله من موقع المتلقي إلى موقع المشتبك مع السرديات الكبرى. فالاستعارات التاريخية التي استحضرها لم تكن للزخرفة بل لتأطير الحاضر ضمن سردية أطول، حيث يُعاد تعريف الصراع خارج لحظته الراهنة.
في المقابل، اشار إلى أن ” المقاومة ” ليست خياراً سياسياً بقدر ما هي غريزة بقاء، ما ينقلها من خانة الجدل السياسي إلى مستوى أعمق من التفسير الوجودي. بهذا المعنى جاء حديثه عن حزب الله كجزء من سردية أوسع يربطها بسياق يتجاوز الحسابات اليومية.
في الوقت نفسه، لم يتجنب الاصطدام بماضيه ، مراجعته لمواقفه السابقة خصوصاً تجاه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بدت كأنها إعادة قراءة علنية لتحالفات وأفكار كانت في يوم ما بديهية. اللافت هنا أن الطرح لم يكن هجومياً بقدر ما كان تفكيكياً، يطرح الأسئلة بدل أن يقدّم أجوبة نهائية، مع تأكيده أنه لا ينحاز إلى منطق التخوين من دون أن يترك مجالاً للالتباس حول موقعه الجديد .
إلى جانب ذلك، برز الثمن كعنصر حاضر لكن غير متضخم ، وذلك من خلال ” خسارات مهنية، علاقات سقطت، ومساحات أُغلقت ” لكن من دون استدرار تعاطف. كأن الخطاب يضع هذه الخسائر في ميزان آخر، حيث تُقارن بخسارات أكبر تدور خارج الاستوديو. هنا يتحول “تغيير الموقف ” من تهمة إلى إعلان استقلال حتى لو جاء متأخراً.
تزامناً مع ذلك، اتجه إلى تفكيك خطاب الانقسام الداخلي، رافضاً مقولة “ما بيشبهونا” بوصفها اختزالاً مريحاً أكثر منها توصيفاً دقيقاً . في هذا الإطار، جاء استحضار عناصر جامعة “من اغاني فيروز إلى تفاصيل يومية بسيطة” لا كحنين بل كمحاولة لإعادة تعريف المشترك في بلد يتقن إنتاج الانقسامات. حتى تعديل “أنا بيروت” إلى “أنا الجنوب” لم يكن تفصيلاً فنياً بل إعادة تموضع رمزية، تنقل الجغرافيا من مكان إلى موقف.
ختاماً، يصعب التعامل مع هذا الظهور كحلقة عابرة، إذ لم يقتصر ما طُرح فيها على ” تصريحات جريئة ” بقدر ما بدا كإعادة صياغة علنية لشخصية عامة على الهواء. وبين الصورة التي كانت وتلك التي تتشكّل اليوم، لا يظهر جاد شويري معنياً بردم المسافة بينهما بقدر ما يبدو مستعداً لتحمّل كلفتها كاملة .

































