نور علي زريق- في حلقة من برنامج ” مسألة وقت ” مع الاعلامي علي نجم بدا الحوار مع النجمة زينة مكي أشبه برحلة داخل الزمن نفسه ، داخل مساحات لا تُرى إلا بالعين الداخلية حيث تتقاطع الحرية مع الوعي ويصبح الاختيار مجرد ميل طبيعي للروح لا حاجة لتفسير أو تبرير. كانت الكاميرا ثابتة، لكن ما يتحرك فعليًا ليس الصوت وحده بل صدى التجارب واللحظات التي شكلت شخصيتها بالاضافة الى صمتها الذي يعلن الحقيقة بلا صخب ” لا كل الطرق صالحة، ولا كل القلوب مأمونة، ولا كل العطاء يُعاد. ”
الوقت عند زينة مكي لا يُقاس بالساعات أو الدقائق، بل بما يتسرّب منها خلسة، بما يشبه التنفس العميق في لحظة صمت. روحها تعيش على هذا الكوكب وكأنها من زمن آخر، حيث كل تجربة سواء في الكواليس او على خشبة المسرح أو بين صهيل الخيول ، تحملها نحو حضور كامل بعيدًا عن الانتماءات المفروضة أو الضجيج الخارجي. فرغم ارتباطها بالكويت أخذتها الحياة إلى مسارات لم تكن لتتخيلها لتجد نفسها اليوم بين خيارين اما الاستقرار مع الأسرة أو الانغماس في لبنان بعالم الفن والعمل المستمر حيث الفرص والتحديات تتشابك بلا نهاية واضحة.
ليس الأمر تعالياً ولا شروطًا قاسية، بل حاجة هادئة لأن تبقى الروح في مكانٍ لا تضطر فيه أن تنكمش كي تستمر. أن لا تشرح نفسك كثيرًا ولا تقاتل لتُقنع أحدًا بقيمتك، ولا تؤجل راحتك كي لا تُزعج أحدًا. هناك وجع نبيل في هذه الصحوة ، وجع من أدرك متأخرًا أنه كان يستحق مساحات أوسع وقلوبًا ألين وطرقاتٍ لا تُرهقه وهو يمشيها. هذا الوعي يصنع نضجها ويقودها في كل قرار وكل لحظة.
على خط مواز، يكشف حديثها عن نضج مبكر صنعته التجارب والابتعاد عن الاعتماد على الآخرين. تعلمت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحقق من نجاحات أو جوائز، بل بما يقضيه مع من يحب. فالمسافات والقرارات الشخصية علمتها معنى الاشتياق والحنين، وان الحب الحقيقي لا يُقاس بالألقاب أو المشاريع بل باللحظات البسيطة التي تحمل صدقًا ودفء.
في مسارها الفني كانت الجرأة دائمًا بوصلتها، لكنها جرأة محسوبة لا استعراض فيها ولا صخب. من أول فيلم جريء إلى أدوار صعبة في مسلسلات مثل “ما فيّي ” و” شتي يا بيروت “، تعلمت كيف تصنع مصداقيتها وكيف تغوص في أعماق النفس البشرية قبل أن تظهر على الشاشة. كان التحضير أحيانًا يستغرق أشهرًا ، لانها تعي أن التمثيل ليس أداءً عابرًا بل ممارسة نفسية ، رحلة استكشاف لكل زاوية من الشخصية، لكل شعور مخفي ولكل صمت يختزن معنى.
الى جانب ذلك ، يظهر حديثها عن الصحة والجسد اهتمامًا عميقًا بالحدود والوعي الذاتي. صدمات جسدية سابقة سواء في الرياضة أو الحوادث اليومية، لم تمنعها من العودة إلى ما تحب، بل صقلت إدراكها لأهمية الإصغاء للإشارة الصغيرة قبل أن تتحول إلى قطيعة أو ألم دائم. اذ ان القوة عندها ليست في الاحتمال اللامحدود، بل في الاعتراف بالحدودوالتعامل مع الذات باحترام قبل أي شيء آخر.
على صعيد العلاقات، تعكس حياتها قدرًا من الوضوح الداخلي صداقات قليلة لكنها حقيقية، تقدير للنوايا الصافية والابتعاد عن كل ما يستهلك الطاقة بلا جدوى. اما الحب بالنسبة لها فهو تجربة ندرك قيمتها في تفاصيله الدقيقة، في الصمت كما في الفعل لا في الكلمات التي تُقال على عجل. وبما يخص الأسرة فتبقى قلب كل اختياراتها، محورها الذي لا يتحرك إلا بإرادتها الصافية .
في المقابل ، التخلي عندها فعل ناضج لا شعور بالهزيمة أو الفقد بل قدرة على الموازنة بين القلب والعقل، بين الانتماء الشخصي والفن وبين ما يستحق عمرها وما لا يستحق. بحيث ان كل قرار، كل خطوة و كل مشروع، يخضع لمعادلة دقيقة مفادها : ما الذي يمنح هذه اللحظة قيمة؟ ما الذي يستحق أن يُستثمر فيه الوقت والطاقة؟ . ” الموسيقى، الفن و الموضة ” ليسوا أدوات للشهرة بل مساحات لتعبير الذات، ولاكتشاف قدرات لم يكن لها أن تظهر في أطر ضيقة، فكل خيار فيها مدروس وقائم على شغف أصيل بعيد عن الصدفة أو الانتشار السريع.
من هنا في أعماق هذا الوعي، تتكشف جرأتها في الفن كما في الحياة. الأدوار الصعبة ليست مجرد تحدٍ مهني، بل مرآة للنفس اذ انها صدى للعواطف والمخاوف والفضول. فالمشاهد التي تثيرها في داخلها تصدمها أحيانًا، لكنها تصنع منها فنانة صادقة، غارقة في تفاصيل الشخصيات، متقنة للفن كممارسة نفسية قبل أن يكون مجرد أداء على الشاشة. ففي كل مواجهة وفي كل مشهد تتشكل مساحة حقيقية للصدق بعيدًا عن الزيف والمظاهر.
ختاماً، زينة مكي ليست مجرد ممثلة بل روح واعية تبحث عن الانتماء الحقيقي، عن الحرية في التعبير وعن القيمة في كل لحظة تعيشها. كل تجربة، كل دور وكل موقف يصنع منها شخصًا أعمق وأكثر إدراكًا لذاته . متعلمة من الصعوبات، متطلعة دومًا للأصالة و صادقة مع نفسها قبل أي شيء آخر. فالزمن عندها ليس مجرد مرور الدقائق بل مادة خام لكل قرار، لكل إحساس، لكل صمت بين الكلمات يحمل معنى، وكل لحظة تُستثمر بحذر لتصبح جزءًا من مسار أعمق ” مسار حياة تُعاش بكل وعي، بكل صدق، وبكل شغف.”


































