الرئيس بري بلسان الإمام الصدر يُحدّدُ ملامح الدولة الجديدة

(البناء)

 

أطل الرئيس نبيه بري من على منبر الإمام موسى الصدر ورفيقيه في ذكرى تغييبهم، مطلقاً سلسلة مواقف تحمل رسائل بالغة الدلالة والأهمية وصفت بأنها خريطة طريق لإنقاذ لبنان من انهياره المحتوم وزواله القريب.

 

ففي ظلمة الأزمات التي تخيم على لبنان، فتح رئيس حركة أمل بارقة ضوء وأمل للبنانيين علها تضيء طريق السياسيين إلى وضع السكة على قطار التغيير من خلال الحوار بين اللبنانيين سبيلاً للتغيير بالوسائل الديموقراطية والسلمية والاستفادة من الاهتمام الدولي بلبنان والاندفاعة الفرنسية اللافتة والتي قد لا تتكرر للاتفاق على تعديلات جوهرية في النظام السياسي قبل أن يفرض واقع الانهيار المالي والاقتصادي والانفجار الاجتماعي والحرب الداخلية تغييراً ونظاماً جديداً قد يأتي على أنقاض الدولة وأشلاء الوطن.

 

فما الذي أراد إيصاله سيد «الحنكة والحكمة» وهل تتلقف القوى السياسية كافة المبادرة الوطنية التي أطلقها؟

 

كعادته بدأ الرئيس بري كلمته بوضع النقاط على الحروف في قضية تغييب الإمام الصدر ورفيقيه بدحض كل الإشاعات التي خرجت من جهات ليبية لمحاولة تزوير الحقائق وطمسها لإنهاء القضية، فكان حارس القضية حاسماً بقوله: «كونوا على ثقة، لهذه القضية رجال أشداء لا يساومون»، ومطمئناً عائلة الإمام والحركيين واللبنانيين بأن «الأوضاع الأمنية التي شهدتها ولا تزال تشهدها ليبيا لم تساعد على الإطلاق لفتح قنوات التواصل مع السلطات الليبية المتناحرة».

 

وفي قضية انفجار مرفأ بيروت وصف الرئيس بري ما جرى بأنه جرح لكل لبنان، وكان حاسماً أيضاً بضرورة أن يأخذ التحقيق مجراه من دون إبطاء ودون تسرّع، «واستعانة القضاء اللبناني بمن يريد فنياً وتقنياً تحت سقف حفظ سيادة لبنان وعدم استباحة سلطاته»، في إشارة الى بعض الجهات السياسية التي تحاول تمييع التحقيق تنصلاً من المسؤولية وحماية بعض المسؤولين المتورطين. كما مرّر الرئيس بري بحسب رسالة باتجاه بعبدا ومعراب وقوى سياسية أخرى تتضمن دعوة للفصل بين مصلحة الوطن وإنقاذه من الغرق وبين المصالح والمطامع والأحقاد السياسية والشخصية التي إن استمرت ستحول دون ولادة حكومة جديدة ودون تمكنها من الإنتاجية وتحقيق إنجازات إن ولِدت.

 

دعوات تحمل في طياتها أيضاً تحذيراً للأطراف كافة من الاستمرار بسياسة التعنت ووضع العصي في دواليب تأليف حكومة تضم وزراء اختصاصيين وأكفاء يأتون من كنف القوى النيابية، لكنهم مستقلون بأدائهم على صعيد الخطط المالية والإصلاحية المتعددة. ويكتسب تحذير رئيس المجلس عن الحكومة أهمية، بالحديث عن محاولات أميركية لقطع الطريق على المبادرة الفرنسية، بحسب ما علمت «البناء» وعرقلة تأليف الحكومة أو التدخل في عملية التأليف وذلك مع الزيارة المرتقبة للمسؤول الأميركي ديفيد شينكر الى لبنان.

 

لكن رئيس البرلمان لم يكتفِ بالدعوة لتجاوز مسألة تأليف الحكومة لحل الأزمة المعقدة في لبنان، فالحكومات تأتي وتذهب حسب الظروف الداخلية والمناخات الإقليمية – الدولية. لذلك ذهب الرئيس بري بعيداً في اجتراح حلول جذرية للأزمات اللبنانية التي هي في جوهرها أزمات سياسية وإن تلبست بلبوس الأزمات الاقتصادية والمالية. لهذا السبب طرح بري مبادرة سياسية من نقاط عدة تشكل امتداداً لتطبيق اتفاق الطائف لتشكل بدورها مظلة سياسية داخلية للبنان تمنحه مقوّمات المناعة الوطنية وتمكنه من مواجهة العواصف الداخلية والخارجيّة بالوحدة الوطنية وبالانتقال إلى مرحلة بناء الدولة الحقيقية العادلة والقوية، وإلا فالانحدار المحتوم الى الانهيارات المتتالية للمنظومة السياسية والمجتمعية والمالية والاقتصادية وبالتالي الفتن والتقسيم والدويلات التي تشكل أرضاً خصبة للحركات الإرهابية التي تنمو على ضفافها. فاللبنانيون يأخذون بلدهم بأيديهم الى الخراب، لذلك كان لافتاً تحذير رئيس الحركة من أن «الخوف والقلق على لبنان هذه المرّة ليس من الخارج بل من الداخل».

 

فرئيس السلطة التشريعية كأحد أبرز زعماء لبنان العارف بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي اللبناني وتركيبة المجتمع اللبناني والظروف الإقليمية والدولية المؤثرة على لبنان، يدرك أن النظام الحالي لم يعد يصلح في المرحلة الراهنة في ظل التحوّلات الداخلية والخارجية لا سيما في منطقة ترسم فيها الدول الكبرى توازنات القوى ومناطق النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي والنفطي والغازي والمائي، ولها تداعيات كبرى على لبنان وتحديداً مشروع التطبيع الإسرائيلي – العربي التي بدأته بعض الدول وتنجر إليه دول أخرى. فهذا النظام الموروث من حقبات سياسية ولت وظروف تاريخية داخلية وخارجية منذ مئة عام مات منذ زمن بعيد ولم يتجرأ أحد على دفنه لحنين بعض أركانه إليه ولتعذر الاتفاق على البديل، فجرى مده بجرعات أوكسجين لإنعاشه. فاتفاق الطائف يجب أن يتابع بتنفيذ بنوده لا سيما إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس الشيوخ، لذلك كانت نقطة الانطلاق المحورية في مبادرة بري للحل الوطني هو «الإصلاح في طبيعة النظام السياسي وفقاً لما ورد في اتفاق الطائف والدستور خاصة في بنوده الإصلاحية»، فالأحداث والتطورات الأخيرة زادت الرئيس بري قناعة بأن سفينة نجاة لبنان تكون بالدولة المدنية غير الطائفية لإسقاط النظام الطائفي. دولة مدنية قوامها قانون انتخاب عصري عادل يوحّد بين المواطنين مع نظام الدائرة الانتخابية الواحدة على أساس النسبية بالتوازي مع إنشاء مجلس للشيوخ ليحفظ الطابع التاريخي للطوائف.

 

ولكي يُبدد مخاوف بعض المكونات السياسية والمراجع الطائفية إزاء الدولة المدنية ويطمئنها الى مستقبلها في هذا الوطن، استعار الرئيس بري كلاماً ميثاقياً للإمام الصدر الذي يجمع على وطنيته كل اللبنانيين، ليؤكد بلسان الإمام بأن لا تعارض بين الدين والدولة المدنية التي لا تعني إلغاء الأديان والطوائف والمذاهب ولا غلبة ديموغرافية لمكوّن معين على آخر بقوله: «الوحدة الوطنية في لبنان لا يجب أن تعني، كما يعتقد البعض، ذوبان الجناح المسلم في الجناح المسيحي، أو ذوبان الجناح المسيحي في الجناح المسلم، بل تعني أن يظل المسيحي على مسيحيته مئة بالمئة ويمد يداً مخلصة إلى أخيه المسلم».

 

ولأن الفجوة الاقتصادية كبيرة جداً بين اللبنانيين والتي أدت الى سقوط النظام الاقتصادي والمالي أيضاً وبات لبنان على حافة الانفجار الاجتماعي، ضمّنَ رئيس البرلمان مبادرته حلاً للازمة الاقتصادية التي كوت المواطن، عبر إقرار نظام ضرائبي تصاعدي وهذه المرة الأولى الذي يطالب زعيم لبناني بضرورة التصاعدية في الضريبة ليأخذ من الأغنياء حقوق الدولة الفعلية وإعادة توزيع عادل للثروة والمداخيل مع تنقية القضاء والإدارات. فالرئيس بري يتكلم عن تقاسيم الدولة الحديثة بلغة جديدة وكأنه يعلن أن لبنان ذاهب قريباً من دولة ضعيفة ينخرها الفساد ويتآكلها التخلف وتسجنها الفتن والطائفية الى دولة مدنية متماسكة ووطنية لا تعرف الفساد وتعتمد على إنجازات داخلية بأعمدة ثلاثة: الدولة المدنية – قانون انتخاب جديد ومجلس للشيوخ – وإصلاحات مالية اقتصادية وضريبية.

 

ولم ينسَ رئيس حركة المحرومين إشراك حركات المجتمع المدني والمتظاهرين في الحل من خلال الحوار بين السلطة والشارع ووضع المجلس النيابي في تصرّف خطة النهوض الوطني والإصلاحات وبالتالي فتح الذراع للحكومة الجديدة للتعاون، كما أعاد تصويب بوصلة الحركيين نحو الاستعداد للمواجهة مع العدو الإسرائيلي والدفاع عن وحدة لبنان ونبذ الفتن الداخلية.

 

فهل تتلقف القوى السياسية صرخة الرئيس بري الأخيرة وتجتمع على حوار وطني قبل أن تجد وطنها في مزبلة التاريخ؟