Les actualités les plus importantes et les plus récentes du monde en français

باسم مغنية …. مهنة تُمارَس بصرامة ومسار لا يخشى اختبار ذاته

نور علي زريق – في حلقة تَحمل عنوانها بقدر ما تحمل معناها ظهر النجم باسم مغنية ضيفاً على بودكاست ” Deep Talk ” مع الإعلامي فراس حاطوم في لقاء بدا أشبه بمرآةٍ تُعيد ترتيب ملامح مسيرته , حضر إلى مساحة حوار لا تُشبه المقابلات العابرة بل تلك التي تُنقّب في طبقات التجربة وتعيد صياغة ما تراكم خلف الأدوار. لم يدخل بوصفه ممثلاً يستعرض محطّات نجاح بل كصاحب مسار طويل تقاطع فيه الاجتهاد مع الحسّ النقدي وتجاورت فيه المغامرة مع الانضباط وترك في أثره ما يكفي ليصبح جزءاً من ذاكرة درامية شُيّدت بأيدي جيله.

بدا حضوره هادئاً من الخارج محمّلاً بكثافة لا تتشكّل إلّا عند فنان يعرف تماماً أين بدأ وكيف تقدّم وإلى أي حدّ تبدّلت ملامح الصناعة من حوله من دون أن تفقده وضوح رؤيته. نجمٌ رسّخ مكانته بجهدٍ متواتر وبمسارٍ يثبت أن الموهبة حين تقترن بالثبات تتحوّل إلى حضورٍ لا يُستبدل .

ولفهم جذور هذا الحضور الثابت، لا بد من العودة إلى السنوات الأولى حيث تشكّل وعيه الفني. في هذه المرحلة، تتقدّم الطفولة كعنصر تأسيسي لفهم مقاربته للتمثيل. الحرب بما حملته من اضطراب يومي لم تكن مجرد خلفية زمنية، بل الإطار الذي وُلد فيه حسّه الأول تجاه الصورة. في بيت يطغى عليه حضور الشاشة كنافذة على عالم أوسع بدأ وعيه بالممثل قبل وعيه بالمهنة، مراقبًا الوجوه وطريقة النطق وطاقة الحضور. هذا التشكّل المبكر لم يأتِ كتسلية بل كان تعرّفًا غريزيًا على مساحة بدت الأقرب إليه من أي مسار آخر. لذلك عند انتقاله من الهندسة إلى كلية الفنون بدا الأمر كعودة إلى منبع قديم، امتداد طبيعي للطفل الذي رأى في الشاشة أكثر من الترفيه، إذ وجد فيها بداية سؤال لم يغادره وإطارًا سيعود للعمل ضمنه بوعي مهني هذه المرة، لا بحدس المشاهدة فحسب .

وعلى خطٍّ متصل مع ذاك الوعي المبكر بالشاشة، جاءت بدايات باسم  في التلفزيون لتُشكّل الامتحان الأول لقدرته على تحويل الشغف إلى ممارسة حقيقية. انطلق من الأدوار الصغيرة التي غالبًا ما تُمنح لوجوه جديدة بهدف اختبار قابليتها للنمو داخل الصناعة، لكن الملفت أن حضوره  رغم محدودية المساحة جذب انتباه أساتذة وأسماء مخضرمة شكّلت لاحقًا دعائم هذا المسار. كان الانضباط هو الملمح الأبرز في مراحله الأولى، وهو ما جعله محطّ ثقة مخرجين اعتادوا التعامل بحزم مع الجيل الصاعد. هذا الاحتكاك المبكر مع أساتذة كبار من بينهم المؤلف والمنتج مروان نجّار، لم يمنحه فرصة فحسب، بل أعاد تشكيل أدواته على نحوٍ أكثر مهنية. ومع اتساع التجربة وجد باسم نفسه ينتقل تدريجيًا من الهامش إلى موقع أكثر رسوخًا داخل الدراما اللبنانية قبل أن تفتح له الأعمال المصرية بابًا نحو فضاء عربي أوسع يختبر فيه مرونة أدائه واختلاف طرق صناعة الشخصية. هذا الانتقال بين بيئات إنتاج متعددة لم يغيّر فقط حجم الأدوار التي يشغلها، بل عمّق فهمه لوظيفة الممثل داخل سرديات تختلف أدواتها الإخراجية والدرامية، الأمر الذي عزّز صورته كممثل قادر على تثبيت حضوره في مساحات لا تتشابه إلا في حاجتها إلى ممثل بارع يعرف كيف ينحت مكانه بدقّة .

وفي معرض رده عن لاتّهام التي تلاحق  الدراما اللبنانية بأنها تقع في الكليشيه ، صرح  بان  المشكلة لا تكمن بالضرورة في بساطة القصص أو تكرارها بل في الحدود التي تفرضها بيئة لا تستطيع دائمًا قول الأمور كما هي ،  اذ ان السياق اللبناني بما فيه من حساسيات سياسية واجتماعية وشبكات نفوذ يُقيّد هامش الصراحة ويجعل كتاب الدراما يتحركون داخل مساحة محسوبة ، مساحة لا تسمح غالبًا بالذهاب إلى قضايا شائكة أو مواجهات مباشرة. هذه الاعتبارات في نظره تخلق واقعًا يبدو فيه النص أقل جرأة مما يستطيع وتجعل “النمطية” نتيجة لظروف الصناعة لا لكسل صانعيها. وعلى خطّ موازٍ، فيما يتعلّق بما يُعرف بـ”الشلالية”، يقاربها مغنية من زاوية مهنية بحتة ليست اصطفافات مغلقة بل علاقات عمل تتكرّر حين ينجح التعاون بين الممثلين والمنتجين والمخرجين. فبالنسبة إليه، المشكلة ليست في تكرار الوجوه بل في محدودية سوق الإنتاج الذي لا يتيح تجارب موازية تكسر هذا النمط .

إلى جانب ذلك، يبرز المسرح في حياة مغنية باعتباره محطة مهمة في تكوين تجربته الفنية اذ قدّم عروضًا شكّلت جزءًا من تطوره، بعضها حصد جوائز رسّخت مكانته كممثل ملم بتقاليد الخشبة وإيقاعها الصارم. ولم يتوقف الامتداد المسرحي عند الشكل التقليدي بل شمل تجربة بارزة في مسرح الدمى، ما منح أدواته دقة أكبر في الحركة والصوت وضبط الإيقاع. إلى جانب التمثيل، خاض باسم تجارب متعددة خلف الكاميرا فكتب أفكارًا ونفّذ كليبات وعمل في مجال الدعايات، مضيفًا بعدًا بصريًا مكمّلًا وفهمًا أوسع للصورة من زوايا لا يراها الممثل عادةً. لم تكن هذه التجارب المتوازية مسارات فرعية بل جزءًا من تكوين مهني وسّع خبرته، وجعل أداؤه أمام الكاميرا قائمًا على خبرات تقنية وجمالية تتجاوز حدود الدور التقليدي .

وبناءً على هذا التنوع يواصل النجم باسم مغنية تعزيز حضوره الفني من خلال مشاريع سينمائية وتلفزيونية جديدة، بحيث يطل في فيلم ” الحارس ” إلى جانب هاني سلامة وهو عمل درامي اجتماعي يجمع بين لبنان ومصر، كما يشارك في فيلم كوميدي مع محمد إمام وشيكو، ما يمنحه فرصة تجربة نوع مختلف من الأداء. وعلى صعيد الدراما التلفزيونية يعود باسم إلى الشاشة الصغيرة من خلال مسلسل لبناني بحت تحت عنوان ” بالحرام ” و المقرر عرضه خلال موسم رمضان 2026 .

ختاماً ، باسم مغنية ليس مجرد ممثل أو نجم بل حضور متجذّر في الذاكرة الدرامية حفره بإصرار وعناية عبر سنوات من الاجتهاد، تجربةً بعد تجربة ودورًا بعد دور. حضوره ليس لحظة عرض بل تراكمُ مسار ووعيه العميق بالصناعة والفن جعله مرجعًا لأقرانه ونموذجًا للجيل الصاعد. كل خطوة في مسيرته تشهد على الفنان الذي اختار الطريق الصعب، والممثل الذي جعل من كل مساحة أداء منصة لصقل موهبته. باسم مغنية ليس مجرد اسم على شاشة أو بطاقة مسلسل بل توقيع حضور فني لا يضاهى، علامة في دراما عربية صاغت مسارها بيده وعينه، ليبقى نجمًا يضيء بخفوت الحرف ومتانة التجربة حاضرًا دائمًا حيث تتقاطع الموهبة مع الثبات والاحتراف