نور علي زريق – في عالم تُصنع فيه النجومية على وقع الأضواء، وتختفي فيه الحقائق خلف البهرجة، يقف برنامج ” سبوت اون ” كمنارة مميزة ، نافذة على ما وراء الشهرة، حيث تتقاطع السياسة بالإعلام والفن في حوار صريح، مباشر، لا يرضى بالسطحية ولا بالمعهود. البرنامج يستضيف أبرز الشخصيات، أولئك الذين يصنعون الحدث ويكتبون تاريخ اللحظة، ليكشف عنهم ما تبقى مخفيًا وراء الكاميرات والابتسامات المرسومة.
يقود هذا المشهد المنتج المنفذ و الاعلامي رالف معتوق، الذي صاغ من برنامجه مساحة حوارية متقنة، اذ يجمع بين الصرامة والحنكة، بين السؤال الذي يفتح أبواب الحقيقة والوقت الذي يمنح الضيوف فرصة التجلي ، بحيث ان كل جلسة معه تصبح اختبارًا للعمق، نافذة على التجربة، مرآة على الشخصيات التي تشكل المشهد العام.
استضاف رالف المايسترو إيلي العليا، الرجل الذي خطّ بصماته على مسار الفن العربي، موزعًا، قائدًا ومرشدًا. حاضراً خلف الكواليس، على المسرح وخلال تحضيرات الفنانين، صانعًا الإيقاعات التي تتحرك بها النجوم، مستمرًا في المشهد، ثابتًا في الالتزام والاحترافية، بينما تتعاقب الأسماء وتختفي، هو يظل، صانعًا الفارق بصوته، بفريقه، وبعقله الموسيقي الذي لا يهدأ .
لم يكن اختيار الموسيقى طريقًا عابرًا في حياة ايلي العليا بل قفزة محسوبة إلى عمق مجهول حيث تتحوّل النغمة إلى التزام والإيقاع يصبح نبض وجوده . فمن مقاعد الحقوق إلى مسارح الصوت، انتقل بخطوة حاسمة لا ليكون اسمًا عابرًا في المشهد بل ليصوغ حضوره في كل توزيع وكل قيادة أوركسترا وكل لحظة يوجّه فيها الفرقة، حتى يصبح الجمهور شريكًا في تجربة حيّة تُعاش بقدر ما تُسمع.
على امتداد أربعة عقود تعلّم أن الشغف ليس شعارًا بل معيارًا، وأن الحب الحقيقي للحرفة لا يُستبدل ولا يُختصر. فمن قائد فرقة فطري بلا دراسة أكاديمية إلى مايسترو بخلفية علمية، تدرّجت رحلته عبر تحديات صاغت الاحتراف أكثر مما أعاقته. بدعمٍ عائلي جاء في زمن لم يكن الفن فيه خيارًا مضمونًا تشكّل عالمه الخاص ، مساحة يلتقي فيها الإبداع بالدقة ، الموهبة بالانضباط والحلم بالواقع .
وبما يخص انتقاله إلى الشاشة ، صرح إيلي العليا أن قيادة فرقة تلفزيونية تختلف جذريًا عن قيادة فرقة على المسرح ، بحيث ان التلفزيون مساحة لا تحتمل الخطأ وتفرض تنوعًا موسيقيًا دائمًا ووجوهًا غير ثابتة، ما يستدعي جهوزية عالية وقدرة مستمرة على التنقل بين أنماط مختلفة بثبات.
ومن هذا المنطلق ، دخل المجال التلفزيوني مفضّلًا التزام طويل النفس على إغراء العمل السريع، مدفوعًا برؤية أوسع تقوم على بناء فرق موسيقية حقيقية عبر الشاشة .
بالتوازي مع ما سبق، بدأت المحطة الفعلية ببرنامج ” نصّ الجمعة ” حيث انشغل بتأسيس هوية موسيقية واضحة وترسيخ معايير عالية في التنفيذ. ثم جاء ” جار القمر ” كنقلة نوعية رسّخت حضوره ومنحته ثقة نجوم العالم العربي، وفتحت باب الانتشار خارج لبنان في مرحلة كان فيها الصوت الموسيقي اللبناني شبه غائب .
إلى جانب ذلك، شدد إيلي العليا على أن تجربته مع عمالقة الغناء أكسبته دروسًا جوهرية في الانضباط والاحترافية، مبينًا أن احترام العمل والوقت والتقدير لدور الفرق الموسيقية يشكل أساس أي أداء متقن، في حين يمنح الانفتاح على الارتجال وإضفاء لمسة شخصية على الأداء الحيوية والتميز، ما يجعل هذه المبادئ قاعدة لا غنى عنها للفنان الذي يسعى لتحقيق جدية وعمق في مساره الفني.
على خط مواز، قاد رالف الحوار نحو برامج الهواة، حيث عبّر إيلي أن هذا العالم يختلف كليًا عن برامج الاستضافة، إذ يصبح القائد الموسيقي شريكًا مباشرًا في صناعة المشترك، بدءًا من تقييم صلاحيته للمرور وصولًا إلى اختيار الأغاني التي تحمي صوته وتبرز إمكاناته.
واشار المايسترو إلى أن أصعب التحديات تكمن في إقناع المشترك بالتخلي عن خيارات قد تُسقطه، في لحظة قد تُفهم كاستهداف فيما هي محاولة مهنية للحد من الخسارة. ويستذكر مثال محمد عساف في ” أراب آيدول ” ليبرز حجم الضغط النفسي والدور الحاسم للتوجيه الموسيقي في تحويل التوتر إلى فرصة لإبراز الإمكانات الحقيقية.
كما تحدث عن تجربته مع الإدارات المختلفة في هذا النوع من البرامج، ليتوقف عند صانع النجوم سيمون أسمر، مشيراً الى ان الراحل لم يكن مخرجًا فحسب بل منتجًا وموسيقيًا أيضًا ما جعل تدخله في التفاصيل الموسيقية نابعًا من معرفة دقيقة لا مجرد سلطة. فهذه المدرسة جمعت بين ضبط الإيقاع والمتابعة الفنية والتوجيه الموسيقي، وبالرغم من انها تعتبر صارمة أحيانًا لكنها واضحة .
من جهة أخرى، صرح العليا أن النجومية سابقًا كانت تُصنع خطوة بخطوة، عبر استراتيجية متكاملة تبني هوية الفنان وشخصيته الفنية والعامة، بدلًا من محاولة خلق صورة مكتملة بضربة واحدة اما اليوم يكفي أن تحقق أغنية صدى واسعًا لتجعل صاحبها نجمًا .
وفيما يخص برامج اكتشاف المواهب الحديثة ، اشار انه لا يعارض مشاركة النجوم الشباب لكنه شدّدَ على أن اللجنة المثالية تجمع بين الدراسة الموسيقية والخبرة العملية، إذ يمنح هذا التزاوج التقييم قوة وعمقًا بعيدًا عن الاكتفاء بالشهرة أو سنوات العمل وحدها. كما وضح أن الاعتماد على ” الماينس وان ” يقيّد الفنان ويحدّ من قدرته على التفاعل مع أي خطأ أو تغيير في الصوت والإيقاع، بينما الموسيقى الحية تمنح المرونة وتعزز الواقعية والديناميكية وتقرب الأداء من الجمهور، ما يجعلها الخيار الأمثل للعروض التلفزيونية الحية .
إضافةً إلى ما سبق ، صرح المايسترو بانه يواكب كل ما هو جديد في الموسيقى اذ يعمل بدافع تطوير نفسه وشغفه لا خوفاً من أن يُعتبر قديم الطراز، كما ظهر ذلك في تعاونه مع الفنانين الشباب مثل الوليد الحلاني.
وفي ضوء الإنتاج الرقمي السريع والترند يرى أن الجمع بين الأداء المسرحي والديجيتال ممكن دون المساس بقيمة الأغنية مع الحفاظ دائمًا على الروح الخاصة بالموسيقى العربية، التي تميز الفنان وتجعل الموسيقى حية ومؤثرة . اما عن مقاربته لتجربة ابنته فانيسا في عالم الفن،اوضح أنه لم يفرض عليها أي مسار بل منحها الحرية لاختيار الأغاني التي تراها مناسبة مشيرا الى أن قرارها بالغناء لم يكن مفاجئًا، بل جاء بعد أن استكشفت خياراتها، أكملت دراستها وجربت التسجيلات العملية، لتصل إلى خيار واعٍ مبني على تجربة شخصية. ولفت إلى أن فانيسا تمتلك صوتًا عريضًا وغنيًا بالطبقات، مع رينج متطور، وتسعى لصقل تكنيكها الصوتي مع كبار الأساتذة، ما يؤكد أنها على طريق احترافي متين .
ختاماً، مسيرة إيلي العليا ليست مجرد رحلة موسيقية، بل شهادة على الشغف والاحترافية والالتزام ، فمن مقاعد الحقوق إلى قيادة الفرق والمواهب ومن البرامج التلفزيونية إلى المسرح، نجح في الجمع بين الخبرة والإبداع والتوجيه الصحيح محافظًا على روح الموسيقى العربية وأصالتها، ومثبتًا أن النجومية الحقيقية تُصنع بالموهبة والانضباط، لا بالأضواء المؤقتة أو الشهرة العابرة. وفي هذا الحوار، لم تكن هذه المسيرة مجرّد سرد بل قراءة معمّقة أدارها رالف معتوق بحسّ صحافي هادئ، حيث لا يبدو مجرّد مقدّم يدير الأسئلة، بل شريكًا في صناعة اللحظة، يترك للمساحة أن تقول ما فيها وللضيف أن يصل إلى خلاصته بنفسه، محوّلًا الحوار من مقابلة عابرة إلى منصة تنقّب عمّا تحت السطح، وتعيد الاعتبار لفكرة أن الحوار الجيّد لا يصنع الضجيج بل المعنى .


































