Les actualités les plus importantes et les plus récentes du monde en français

بالحرام : حين يتحول السيرك إلى مرآة لانفصام المجتمع

Screenshot

نور علي زريق – قبل أن تُفتح الشاشة، ومن خلال البرومو التشويقي وكليب الشارة، يفرض مسلسل”  بالحرام “  حضوره الثقيل، ليضع نفسه على ذروة الترقب الرمضاني قبل أن تبدأ الحلقات. فاللقطات التمهيدية تكشف للمشاهد أن هذا العمل ليس إنتاجًا عابرًا بل هو نتاج رؤية محكمة وخبرة متراكمة لشركة ايغل فيلمز للمنتج جمال سنان، التي تمثل ماكينة إنتاج متقنة تصنع الحدث الرمضاني وتحوّل كل نص جدلي إلى قوة مؤثرة . ويتجلى ذلك في كل مشهد، كل لقطة وكل تفصيل إخراجي أو تمثيلي صيغ بعناية من فريق عمل مبدع، ليخلق تجربة متكاملة تنسجم فيها الصورة مع الأداء، وتضع المشاهد مباشرة في قلب صراع نفسي وأخلاقي، حيث يتحول الترقب إلى جزء لا يتجزأ من المشاهدة، قبل أن تُكشف أي من تفاصيل القصة على الشاشة.

في هذا السياق، يقدم مسلسل ” بالحرام ” قراءة متأنية لانفصام المجتمع، حيث تتقاطع المظاهر المعلنة مع ما يُمارس خلف الستائر، فيمزج العمل بين الإثارة النفسية والتشويق الاجتماعي مستفيدًا من الرمزية العالية للسيرك في شارة الكليب ومشحونًا بتوتر مشاهد البرومو، ليحوّل الصراع إلى كشف الوجه الخفي للشخصيات المرموقة حيث يخالف الباطن الظاهر ويصبح الغوص في الأخلاقيات الملتوية جزءًا لا يتجزأ من حبكة العمل .

بينما تتصدر ثيمة الانتقام الخط الدرامي عبر شخصية النجمة ماغي بو غصن ” جود ”  الضحية السابقة التي تقرر استعادة حقوقها، فتبدأ رحلة تطهير شخصي تشمل كل من تلاعب بحياتها، وعليه يتحول الصراع بين المتحكم والضحية إلى لعبة معقدة حيث يبدو الضعيف في البداية مجرد متفرج على الأحداث قبل أن يتحول تدريجيًا إلى “المايسترو” الذي يحرك اللعبة من خلف الستار. اذ تستدعي الرمزية البصرية للخيوط في الكليب هذا الانعدام الواضح في الإرادة، بحيث تتحرك الشخصيات كدمى داخل عالم محدد سلفًا، ما يجعل فقدان الحرية أمام الأخطاء والقدر المحتوم جزءًا جوهريًا من التجربة الدرامية التي ينقلها العمل .

في خط مواز ، يشكل كليب شارة العمل ” شو ناطر ” تجربة سيميائية متكاملة، حيث يوظف إيلي خاطر كل عناصر الإخراج لإظهار الانفصام النفسي والأخلاقي للشخصيات، فتولّد الكادرات الضيقة والزوايا الحادة شعورًا بالحصار والمراقبة المستمرة، بينما تجعل حركة الشخصيات داخل الإطار المشاهد جزءًا من هذا الفضاء المسرحي المكثف، إذ لا يمثل السيرك ترفيهًا بل فضاءً ديستوبياً تتحرك فيه الشخصيات كدمى تحت سيطرة قوة خفية، ويصبح الحصان الدوار رمزًا للدوران الأبدي للمصائر ، اما النار تعتبر أداة كاتارسيسية تظهر الانفجار الداخلي للشخصيات وانهيار القيود المزيفة، في حين تضيف الحبال والخلفية المسرحية بعدًا استعاريًا لانعدام الإرادة، وبما يخصّ توظيف الإضاءة المتباينة بين الظلّ والنور فهي تُوجّه العين نحو التفاصيل الدقيقة وتكشف التصدّعات النفسية الكامنة خلف سلوك الشخصيات ، بينما يخلق الإيقاع البصري للحركة واللقطات الميلودرامية توترًا مستمرًا ويشحّن كل إطار بالمعنى النفسي والدرامي.

على المستوى الصوتي، يعكس أداء النجم وائل كفوري الواقع القاسي، مستبدلًا الرومانسية الحالمة بقسوة واقعية، فيجمع صوته بين الانكسار والكبرياء في رحلة صوتية تبدأ مكسورة وتنتهي منتصرة، لتتناغم كلمات الأغنية للشاعر علي المولى “شو ناطر من بشر بيخلص اسمهم بكلمة شر” مع الرمزية البصرية، فتتجاوز الكلمة حدود الصوت لتصبح جزءًا من البناء الدرامي مانحة الكليب بعدًا معنويًا يعمّق تجربة المشاهد قبل انطلاق الأحداث.

بالتوازي مع ما سبق ، في البرومو التشويقي يعتمد المخرج فيليب اسمر على مساحة المشهد والكادرات الطويلة والزوايا المائلة وحركة الكاميرا الديناميكية لتوجيه المشاهد داخل شبكة من الانشطار الداخلي الناتج عن صراع الذات مع شروطها الموضوعية ، وما يولّده من احتكاك بنيوي داخل الفضاء الاجتماعي ، فيتضح التضاد بين الواجهة العامة وما تخفيه الشخصيات خلف الأقنعة من خلال المونتاج المتوازي بين مشاهد واقعية  على سبيل المثال : ” ضرب، صراخ، حوادث  ومشاهد السيرك الاستعراضية “  ، في حين تكشف الرموز البصرية مثل السيارات المنقلبة والمقابر عن أسرار الماضي وترابطها مع القرارات والحوادث المصيرية لكل شخصية، بينما تصنع الإضاءة القاتمة والظلال العميقة جوًا من القلق المستمر، كما تتصاعد الموسيقى التصويرية لتعزز شعور الخطر والترقب.

الى جانب ذلك ، ومن البرومو يلمح المشاهد أداء تمثيلي مؤثر، حيث تعكس تعابير الوجه وحركة الجسد عمق الصراعات الداخلية، فتجعل كل لحظة درامية مشحونة بالمعنى ، وتتجسد هذه الدينامية في أداء النجمة ماغي بو غصن، الذي يتأرجح بين الانكسار والقوة، إلى جانب أداء كل من سارة أبي كنعان، السا زغيب، سينتيا كرم، القديرة تقلا شمعون وبقية الممثلين ، ما يعكس تنوع التجارب النفسية ويغني النص الدرامي بعمق شخصياته وتفاعلاتها ، فيما يقدم النجوم باسم مغنية، عمار شلق وطوني عيسى الصراع الذكوري حيث تتحرك الشخصيات كقطع على رقعة معقدة من الاختيارات الأخلاقية فكل حركة وقرار يعيد تعريف حدود المسؤولية والسلطة، مانحًا النص الدرامي بعدًا تأمليًا عميقًا، الى جانب ذلك ، تكشف العبارات الحاسمة مثل جملة كارول عبود: “بدي ياك تطلع بالكاش لننهي النقاش” وعبارة ماغي: “راح أدفنك بإيدي هون ” كيف تتحوّل المادة والانتصار الشخصي إلى محرك لتجاوز الأخلاق، بينما يظل المشاهد القاضي النهائي الذي يقيّم شبكة الأكاذيب والانتقام والسلطة.

ختاما ، يجمع الكليب والبرومو رؤية متكاملة للعمل حيث يركز الأول على الانفصام الرمزي والدقيق للشخصيات، فيما يوسع الثاني هذا الانقسام إلى المستوى الاجتماعي والدرامي ليضع المشاهد في قلب تجربة مزدوجة من الرمزية والبعد الدرامي العميق. ومع خبرة شركة ايغل فيلمز والمنتج جمال سنان في تقديم أعمال توازن بين الطموح الفني والجماهيري، يُتوقع أن يكون مسلسل “بالحرام” عملًا من العيار الثقيل على شقف التوقعات الرمضانية، مقدمًا تجربة متكاملة لكل لقطة ومشهد، تجعل المشاهدين في حالة ترقب دائم للحلقات المقبلة، مؤكدًا أن هذا العمل الرمضاني سيترك أثره بلا شك . وإذا كان البرومو قد كشف هذا القدر من الانشطار الرمزي، فإن الحلقات المقبلة تبدو كاختبار حقيقي لقدرة النص على تحويل الرمزية إلى دراما دامية لا تكتفي بالإيحاء بل تصدم .