Les actualités les plus importantes et les plus récentes du monde en français

من الشاشة إلى الوعي …. رولا حمادة ونيشان , في حوار يزن الكلمة ويحتفي بالاحتراف

نور علي زريق – في عالم يطغى فيه الصوت على العمق يقف الاعلامي نيشان ديرهاروتيونيان كحارس للكلمة، محاورًا يزن كل حرف، يلتقط التفاصيل التي غالبًا ما تفلت من العين ويحوّل اللقاء إلى فضاء يستعيد فيه المعنى نضارته وحيويته. وفي هذا الفضاء تتجلّى القديرة رولا حمادة، النجمة التي حملت اسمها على أكتاف تجربة طويلة بحيث صاغت من كل دور شهادة على صدق الفن والتزامه، لتتجاوز لحظة الشاشة وتترك أثرًا يتردد في وعي المشاهد وفكره. هنا يلتقي من يسعى وراء المعنى بمن يصنع المعنى، فتتحوّل الجلسة إلى لوحة متكاملة من الاحترافية والرزانة، يمنح فيها كل طرف حقه الكامل ، نيشان بدقّة قراءته، ورولا بثقل حضورها الذي لا يقاس إلا بالخبرة والصدق.
وفيما يلي أبرز ما كشفته رولا حمادة خلال اللقاء.

افتتح نيشان الحوار من منظور القيمة والثبات مستحضرًا نجومية رولا حمادة كذهب صافٍ لا يحتاج من يثبتها ، بل من يدرك ثقلها. في هذا الإطار ترسّخت لديها فكرة الاحترام كقاعدة تتقدم الحب، وتجلّت علاقتها مع الذات كتوازن دقيق بين الثقة والشكّ الصحي. وحتى لحظات ارتياحها غير الكامل مع نفسها لم تُضعف حضورها بل شكّلت دافعًا للاستمرارية والتطوّر، حيث تتحوّل كل تجربة وكل موقف إلى مدخل لفهم أعمق لقيمتها، وتجسيد ناضج لنضجها الفني والإنساني في آن واحد .

انتقل الحوار من صخب القيمة الذاتية إلى عمق الأسئلة الوجودية التي ترافقها منذ بداياتها، حيث استخدم نيشان مدخله ليكشف عن تساؤلات الحياة الكبرى والرسائل الكامنة في التجارب والمراحل المتعاقبة. في هذا السياق، ظهرت رؤية النجمة لمسارها الفني وحياتها بين ما أنجزته وما بقي من خطوات لتكتمل روحها ومهارتها، لتصبح كل تجربة، كل قرار وكل اختبار عنصرًا فعّالًا في صقل كفاءتها وتوسيع أفق إدراكها لذاتها ولعالمها. حتى فكرة التقمص أو الرسائل بعد الحياة لم تكن إلا امتدادًا لهذه التأملات، في حين وضعت حدودًا واقعية لطموحها، مؤكدة أن النجومية ليست حالة تُمنح بل مسار طويل من العمل والاجتهاد المتواصل .

في أفق الروحانية، استعاد نيشان حديث رولا عن القديس مار شربل، مركّزًا على عمق ارتباطها بالإيمان الذي يتجاوز المذاهب والطوائف. وعليه صرحت بان زياراتها المتكررة تمثل لحظات امتنان صافية ودعاء صادق، وان صلوات المسبحة تمنحها قوة داخلية وسكينة نفسية لا تضاهى. وأوضحت أن مشاركتها في فيلم القديس لم تكن مجرد عمل فني بل عربون وفاء وتجسيد للاعتراف بالفضل الروحي الذي يمنحها الحماية والإلهام .

و من السكون الداخلي إلى حيوية الأداء ، انتقل الحوار نحو تفاصيل المسلسل المنتظر ” ممكن ” حيث سلط نيشان الضوء على إعلان تأجيله في رمضان، مقدمًا السياق الواقعي الذي فرضته الشركة المنتجة حول الوقت والجودة، جنبًا إلى جنب مع النقاشات حول المشاهد الجريئة. هنا جاء موقف رولا واضحًا محافظة على الالتزام بما ورد في البيان الرسمي ، بينما عبّرت عن إدراكها لتغير معايير الجرأة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي الذي أزال المفاهيم التقليدية لما يُعتبر جريئًا. ومع انتقال النقاش إلى شخصيات العمل وزميلاتها برزت ديناميكية التعاون بين رولا ونادين نجيم، حيث الوضوح والاحترام المتبادل وحساسية الأداء شكلت قاعدة للتفاعل، بدءًا من استقبال الشخصيات ببساطة وحميمية، مرورًا بالعمل المشترك وانتهاءً بالمساحة التي تُتاح للزملاء الجدد للشعور بالاحتواء والتقدير، لتتحول كل لحظة على الشاشة وخلف الكواليس إلى تجربة متكاملة تعكس ثقلها الفني وحجم حضورها الكامل .

ليتجه النقاش بعدها صوب تصريح النجمة ورد الخال، حيث استحضر نيشان صرختها تجاه الفرص المحدودة في الإنتاج الفني ، من هنا إشادة رولا على موهبة الخال الاستثنائية ووعيها العميق، مشيرة الى أن كل كلمة تقولها تحمل وزنها بعيدًا عن العشوائية. وفي الوقت نفسه، شددت على أن الظروف غالبًا ما تحجب الاستحقاقات عن الممثل اللبناني لكنها لا تقلل من قيمته .
وبالرغم من قلة أعمالها مقارنة بعمق أدائها، ترى رولا حمادة أن اختيار الأدوار تحدده النصوص والفرص، وأن التأني جزء من الحفاظ على جودة العمل. حتى حين قبلت دورًا لأسباب مادية، بقي التزامها المهني حاضرًا، والمعاناة الذاتية أثناء التنفيذ جزء من صقل الأداء، ما يعكس وعيها العميق بمسؤوليتها الفنية وحجم ما تقدمه، في مواجهة الظروف والجحود التي تواجهها كل المهن، والفن ليس استثناء .

وعندما سأل نيشان عن موقعها في كتاب الفن اللبناني المعاصر، جسدت رولا حمادة وعيًا بالغًا لمسؤوليتها ومسارها المهني، مؤكدة أن التمسك بالمهنة والاجتهاد الدؤوب، مع صبر وكدح مستمر، هما ما يضمن أن يكتسب كل عمل تقدمه قيمة حقيقية ومكانة رصينة لدى الجمهور. وقد منحها التكريم من المنتج صادق الصباح الذي وصفها بـ”سيدة الشاشة وسيدة الدراما” شعورًا عميقًا بالاعتراف والتقدير المهني، إذ تأتي مثل هذه الكلمات من صانع له تاريخ طويل وإسهامات ثرية في الانتاج .كما عبّرت عن تقديرها لكل من ساهم في رسم خارطة الفن اللبناني من الجيل السابق الذي صمد في وجه التحديات إلى الجيل المعاصر الذي يواصل إثبات ذاته، مؤكدة أن كل فنان وفنانة يمثلون رمزًا للصمود والكفاح المستمر .

إلى جانب ذلك، أشار نيشان إلى قدرة رولا حمادة على تجسيد ادوار الشر بدقة متناهية، حيث تتحول شخصياتها إلى كيانات حية تتجاوز النص لتؤثر في المشاهد. وأوضحت رولا أن كل إنسان يحمل خليطًا من الخير والشر، وأن التحدي يكمن في اختيار كيفية تجسيد هذا المزيج داخل الشخصيات. كما شددت على أن الأدوار الصامتة تمثل اختبارًا نادرًا لقوة الممثل وقدرته على فرض حضور الشخصية وإيصال المشاعر بصدق، موضحة أن الأدوار التي تبدو بسيطة غالبًا ما تتطلب جهدًا أكبر .

على صعيد آخر، نوّه نيشان بتحوّل الدراما السورية إلى فضاء عربي شامل، حيث يحظى الفنانون السوريون بفرص وعقود إنتاجية تعكس تقدير خبراتهم ومهاراتهم. وعليه اشارت النجمة الى أن هذا النجاح مستحق لهم، لكنها شددت على أهمية تعزيز الإنتاج اللبناني وتوسيع فرص العمل محليًا. وعن اللغة واللهجة، اعتبرت أن الأمر ليس مسألة لهجة فحسب بل قدرة الجمهور على الانغماس والاستماع، بحيث ان اللغة كالموسيقى تنبض مع الشخصية وتصبح جزءًا مألوفًا لدى الجمهور .

وفي سياق متصل، تشير رولا إلى أن الإنتاج غالبًا ما يميل إلى الطابع التجاري، إلا أن بعض الاستثناءات تبرز مثل أعمال المنتج جمال سنان التي تحتفظ بالهوية اللبنانية، وهو ما يستحق الثناء .

في منحى آخر، تطرق نيشان إلى موقفها العلني تجاه فلسطين ولبنان، مستذكراً جدلًا أثارته تغريدة لها موجّهة للنجمة يسرا. وأوضحت حمادة أن قصدها لم يكن توجيه نقد شخصي، بل التأكيد على أن ما جرى في لبنان كان حربًا حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأن الكلمة الصادرة عن فنان مؤثر تصل إلى ملايين، ما يجعل مسؤولية التعبير مضاعفة. وشدّدت على أن العتب ينبع من المحبة والتقدير، لا من القسوة، كما لفتت في الوقت ذاته إلى أن فلسطين جرح لا يندمل في وجدان الشعوب العربية ، وأن الفن يظل أداة لإظهار الحقيقة حتى إذا كان تأثيره محدودًا أمام حجم المعاناة المفتوحة .

خلف بريق الفن وفي أروقة حياتها الخاصة، استعاد نيشان ذكريات طفولتها بين المدرسة الداخلية وفقدان والدها في سن مبكرة، و وسط انشغال والدتها بالأسرة والمسؤوليات. ومن هنا قالت حمادة أن تلك المرحلة صقلت شخصيتها وعزّزت قدرتها على التكيف والدفاع عن نفسها، معتبرة أنها لم تكن ضحية بل شقت طريقها رغم قسوة الظروف. وفي مواجهة طفلتها الداخلية أدركت أن كل ألم يحمل بذور فهم أعمق للحياة، وأن المعاناة تصقل الروح وتزرع الحكمة.

ختامًا، أغلقت رولا حمادة أبواب اللقاء على صورة امرأة صنعت من الفن صرحًا خالدًا ومن كل دور قصة رُويت بلا صخب، حيث التقى الصمت بالمعنى والحرف بالوجدان. حضورها لم يُقَس باللحظة بل بالأثر الذي تركه في الروح، وبالخبرة التي تحوّلت إلى نبض متواصل في ذاكرة الفن. ومع نيشان ديرهاروتيونيان، تحوّل  الحوار إلى مرآة عكست صدق التجربة فبقي شهادة على موهبة تخطّت الزمن وإرثًا همس بأن الفن الحقيقي هو حياة عُيشت قبل أن تُعرض.