Les actualités les plus importantes et les plus récentes du monde en français

زينة مكي في ” آسر “… حين يتحوّل الصمت إلى بطولة

نور علي زريق- هناك مشاهد تمرّ، وهناك مشاهد تبقى عالقة كندبة في ذاكرة المشاهد. زينة مكي في «آسر» لا تمرّ. حضورها كـ«ناي» ليس مرورًا عابرًا بل صرخة صامتة، امرأة تنكسر أمامنا ببطء حتى نكاد نشعر أننا نحمل معها هذا الانكسار. في مسلسل يزخر بالأسماء الكبيرة والحبكات الملتبسة، صنعت زينة مساحة خاصة بها. مساحة لا تُنتزع، لأنها قائمة على الصدق لا على الزينة.

«آسر» هو قصة خيانة وانتقام، لكنه أيضًا رواية عن هشاشة الإنسان حين يُدفع إلى أقصى حدوده. في قلب هذه الدوامة، تقف «ناي» كأنها خط الضوء الأخير في مشهد يغمره الظلام. ليست امرأة كاملة ولا بطلة من ورق، بل جسد ينهكه المرض، وقلب متعب، وذاكرة مثقلة بالخوف. تحب «آسر» بقدر ما تخشاه، وتبقى رغم معرفتها أن النهاية لن تكون سعيدة. وهذا بالضبط ما جعلها نقطة توازن نادرة وسط صراع تتنازعه النار.

زينة مكي لم تؤدِّ الدور، بل ابتكرته. كل نظرة كانت جملة، كل تنهيدة كانت اعترافًا. لم تحتج إلى رفع الصوت، لأن تفاصيلها كانت أعلى من أي صراخ. أمام كاميرا تتربص بالمبالغة، اختارت أن تكون هادئة كحركة الماء، لكنها عميقة كالغرق نفسه. مشاهدها مع باسل خياط كانت مواجهة بين العاصفة والنسيم، بين رجل يصر على الانتقام وامرأة تبحث عن خيط حياة.

ثم جاء المشهد الأخير، لحظة موت «ناي». هنا ارتفع الأداء إلى ذروة لا يصلها إلا من يعرف أن الفن الحقيقي يُولد من الصدق. لا دموع متكلّفة، لا حركات زائدة. فقط وجع ينساب كالماء، ونظرة تحمل كل ما لم يُقل. كان المشاهد يشعر أن روح «ناي» تتسرب أمامه، أن الحياة تفلت من بين أصابعها ببطء حتى لا تترك وراءها سوى صمت ثقيل. هذا المشهد جعل الجمهور يكتب، يبكي، ويعترف أن زينة سرقت المشهد الأخير من العمل كله.

ردود الفعل كانت عاصفة. مواقع التواصل امتلأت بصور «ناي» وتعليقات تصف موتها بالمشهد الأكثر صدقًا في الدراما الأخيرة. لم يكن الحديث عن حبكة أو إخراج بقدر ما كان عن تلك اللحظة التي جمعت الأداء النقي والمشاعر الصادقة، لحظة جعلت الجمهور ينسى أنه يشاهد تمثيلًا.

في زمن صار فيه الأداء غالبًا مرادفًا للمبالغة، تأتي زينة مكي كممثلة تُجيد فن الاختزال. لا تسعى لتُبهر، بل لتُقنع. لا تُهاجم الشخصية، بل تُصغي إليها حتى تتكلم من داخلها. في «آسر»، كما في محطات سابقة من مسيرتها، يتّضح أن زينة لا تُمثّل لتُثبت حضورها، بل لأنها تعرف أن التمثيل فعل وجود، ونجاة. كل دور تقرأه، تحوّله إلى مختبر داخلي تُعيد فيه اكتشاف الخوف، التعب، الحب، وحتى الموت. ليست ممثلة عادية لأنها لا تتعامل مع الدور كقناع، بل كمرآة. مرآة تضعها أمامنا دون أن تلمّعها، وتقول: هذه هي الحقيقة، من دون فلاتر. ولعلّ هذا ما يجعلها اليوم من القلائل الذين يُراكمون الأدوار لا الشهرة، ويبنون مسيرتهم لا على الضجيج، بل على الأثر

ختاماً ، «آسر» قدّم الكثير من المواجهات والصراعات، لكن زينة مكي قدّمت درسًا آخر: أن البطولة الحقيقية ليست في القوة وحدها، بل في هشاشة تُعرض على الشاشة بجرأة، بصدق، وبموهبة تجعل من الدور بصمة تبقى حتى بعد انطفاء آخر مشهد